مستشفيات الجنوب هدفاً للنيران الإسرائيلية (الأخبار 5 حزيران)

لم تكن المنشآت الطبية في منأى عن الاستهداف منذ بداية العدوان الإسرائيلي. غير أنها على ما يبدو باتت هدفاً رئيسياً، مع دخول الحرب شهرها الرابع. ففي الأسبوع الأخير وحده، تعرّضت المستشفيات، في الجنوب خصوصاً، لثلاثة عشر هجوماً، كان آخرها على محيط مستشفى تبنين، والذي أصيب فيه طبيب وخمسة من العاملين الصحيين. وقبله، استُهدف المبنى الملاصق لمستشفى حيرام، ما أدّى إلى إصابة 13 عاملاً صحياً، فيما سقط 39 جريحاً في هجوم على مستشفى جبل عامل (4 أطباء و27 ممرّضاً و8 موظفين).
ويتذرّع العدو لاستهداف القطاع الطبي، بزعمه أن المقاومة تستخدم مرافقه. وهو ما جرى أول من أمس، حين برّر استهدافه لمستشفى تبنين، بزعمه أن جهات حزبية استولت على مبناه، واستخدمته لأغراض غير طبية. غير أنه بات واضحاً من الوقائع الميدانية أن العدو يتعمّد استهداف النظام الصحي بشكل مباشر ومُمنهج، لعرقلة عمل المستشفيات والعيادات الطبية وصولاً إلى إخراجها عن الخدمة، مع الحرص على منع سيارات الإسعاف من التنقّل بين مناطق الجنوب. وكل ذلك لقتل أي مجال للصمود في المناطق التي تريد إسرائيل إفراغها من ساكنيها.
يؤكّد ذلك العدد المرتفع من الاستهدافات للقطاع الصحي، الذي بلغ حتى أول من أمس 193 هجوماً (بمعدّل هجومين يومياً)، والذي أدّى إلى استشهاد 128 شخصاً وجرح 378 آخرين من العاملين الصحيين فيها، وفقاً لمنظّمة الصحة العالمية.
وحتى ليل أمس، وثّقت وزارة الصحة استشهاد 5 أطباء و123 آخرين من فرق الإسعاف، وكذلك جرح 140 شخصاً ما بين طبيب وممرّض و238 من الفرق الإسعافية، إضافةً إلى إغلاق ثلاثة مستشفيات وتضرّر 17 مستشفى آخر، وتدمير 36 مركزاً إسعافياً و163 سيارة إسعاف.
يقول مدير مستشفى النبطية الحكومي، الدكتور حسن وزني، إنه واقع «صعب جداً». فإسرائيل «لم تعد تميّز بين مستشفى أو غير مستشفى، ولا تفرّق بين زائر أو مريض أو أي شخص آخر، وباتت تلاحق الأشخاص حتى إلى المستشفى».
وبسبب هذه الهمجية، أصبح انتقال أطباء وموظفي المستشفيات منها إلى «العالم الخارجي» مخاطرة قد تنتهي بالموت. وهو ما وضعهم أمام خيارَي «البقاء في المستشفيات من دون القدرة على التبديل»، تقول مديرة مستشفى النجدة الشعبية في النبطية (مستشفى حكمت الأمين)، الدكتورة منى أبو زيد، أو التنسيق مع الصليب الأحمر الذي ينتظر بدوره موافقة لجنة الـ«ميكانيزم»، يقول مدير المركز الطبي في مستشفى الشيخ راغب حرب، الدكتور رفيق سلوم.
193 هجوماً إسرائيلياً على القطاع الصحي بمعدّل هجومين يومياً
هكذا، تُسيِّر المستشفيات شؤونها… بالإذن من الاحتلال، مع ما يتطلّبه التنسيق المُسبق، من وقت. وهو ما يؤثّر في بعض الأحيان على عمل الأطباء، خصوصاً أن بعضهم من أصحاب الاختصاصات، ولا سيما جراحة العظام والشرايين، ما يضطرهم إلى التنقل بين أكثر من مستشفى. وتشير أبو زيد، في هذا السياق، إلى صعوبة انتقال طبيب اختصاص من مشفاها إلى مستشفى النبطية الحكومي، الذي يبعد عنها 200 متر فقط!
أمام هذا الواقع، عمدت بعض المستشفيات إلى تعديل خططها عبر الإبقاء على الكادر الطبي الذي تحتاج إليه. تقول أبو زيد: «لم نعد قادرين على التبديل يومياً، وحفاظاً على العاملين في المستشفى وتسيير عملنا، خفّضت عدد العاملين إلى 64، مبقيةً الأساسيين منهم»، مضيفةً: «لديّ اليوم 10 من الأطباء الأساسيين بين جراحة وطوارئ». مستشفيات أخرى تقوم بالتبديل كل أسبوع أو 10 أيام بعد التنسيق مع الصليب الأحمر، لطلب الإذن «لينتقل الأطباء معهم وبعض العاملين ممن يذهبون لزيارة عائلاتهم»، يقول سلّوم.
وكذلك الحال بالنسبة إلى احتياجات المستشفى. فإيصال المستلزمات الطبية والأدوية والأوكسيجين والمحروقات والمياه يستلزم «خطاً عسكرياً» يجري تأمينه بعد التنسيق مع وزارة الصحة والصليب الأحمر والجيش اللبناني. ورغم التنسيق المُسبق، تواجه المستشفيات في بعض الأحيان نقصاً، خصوصاً عندما يتأخر الإذن، وهو ما حصل أخيراً مع مستشفى النبطية الحكومي، إذ وصل مخزون الأوكسيجين «ع الآخر»، قبل أن تأتي الموافقة. إضافةً إلى ذلك، واجهت بعض المستشفيات، ومنها النبطية الحكومي، أزمة كهرباء بسبب تعطّل المولّدات الكهربائية.
هذه الوقائع لا تبدو آخر ما قد تصل إليه المستشفيات. تقول أبو زيد: «رسالة غير مباشرة تستهدفنا، فعندما يُفجِّر العدو مبنى ملاصقاً للمستشفى أو يضرب سيارة عند مدخل مستشفى، فهو يضرب في طريقه مفهوم الحماية للمنشآت الطبية التي تكفلها القوانين الدولية، وقد ينتقل في مرحلة لاحقة إلى مرحلة الاستهداف المباشر للمنشأة».



