القطبة المخفيّة للتوقيع مع الصندوق قبل الانتخابات: هل نضجت التسوية؟ (النهار 22 نيسان)

كتبت سابين عويس في” النهار”:
كما لو أن عصا سحرية تحرّك الملفات في لبنان، فتُخرج ملفاً وترحّل آخر، وتقلب الآيات بين معارض في ما مضى الى متحمّس اليوم، والعكس صحيح. فهل السبب شعبوي مرتبط بالاستحقاق النيابي، حيث الملفات تشكل عدة الشغل الاساسية للحملات الانتخابية، أم ثمة ما هو أبعد من هذا التوصيف الذي استعمله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في مستهل جلسة مجلس الوزراء ليبرّر تعطيل النقاش في مشروع قانون الكابيتول كونترول؟
الواضح من المسار الذي تسلكه الأوضاع في لبنان أن ثمة سباقاً تخوضه الرئاستان الثانية والثالثة، لتقديم أوراق الاعتماد وحسن النية تجاه انخراطهما الكامل في ما يمكن الادعاء أنه عملية إصلاحية لوضع البلاد على سكة التعافي والخروج من جهنم. والقول بأنه ادعاء يعود الى أن المقاربة الإصلاحية التي تعتمدها السلطة التنفيذية وتحيلها الى السلطة التشريعية للموافقة عليها، انطلاقاً من التزام السلطتين أمام صندوق النقد الدولي، بالتوافق والانسجام معه، لا تلاقي إجماعاً أو قبولاً من الأطراف المعنية التي سيقع على عاتقها وزر تحمّل الأعباء والأكلاف، والمقصود بهما القطاع الخاص والمصرفي تحديداً، والناس بكل شرائحهم وودائعهم، الصغيرة منها والكبيرة.
لم تكن مسرحية الجلسة الأخيرة للجان النيابية المخصصة لدرس مشروع قانون الكابيتال كونترول المحال من الحكومة بريئة، عندما يتكشف أن الفريق الذي كان يعارض المشروع تحت شعار حماية المودعين بات من أشدّ المتحمسين لإقراره، فيما فريقان متخاصمان في السياسة (القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر)، كانا من أشد المطالبين بإقرار المشروع باتا من أشدّ المعارضين للصيغة المقترحة على طاولة النقاش.
فما الذي حصل، والى أين سيؤدي هذا المسار؟
ليس غافلاً عن أي مراقب التنسيق الواضح بين رئيسي المجلس والحكومة على إظهار التزامهما الكامل بتنفيذ مندرجات الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد، ولا سيما لجهة إنجاز مشاريع القوانين المقترحة ضمن الإجراءات المسبقة التي يشترطها الصندوق قبل دمغ الاتفاق بتوقيع مجلس إدارته.
والإجراءات المسبقة حدّدها في شكل واضح الاتفاق وباشرت الحكومة، وعلى خط موازٍ المجلس، تنفيذها: الكابيتال كونترول، السرّية المصرفية، توزيع الخسائر ضمن خطة التعافي، موازنة ٢٠٢٢، وإعادة هيكلة المصارف عبر إقرار قانون الطوارئ المعدّ لهذه الغاية.
هذا التنسيق يهدف الى تسريع الخطوات الآيلة نحو إقرار هذه الإجراءات، وتذليل العقبات من أمامها، بحيث لا تُلقى مسؤولية التعطيل أو التأخير علي أيّ منهما، ما دام هناك من يتكفل هذا الأمر. فالإجراءات المسبقة المقترحة موجعة وصعبة والأهم أنها غير شعبوية في زمن الانتخابات، إذ لا تحمل شعارات مرضية للناخبين، بل على العكس هي منفرة ومقلقة لأن هؤلاء هم من سيرزحون تحت أعبائها من خلال سنوات من السياسات التقشفية الصعبة.
ويسعى رئيسا المجلس والحكومة الى إنجاز مشاريع القوانين المطلوبة بناءً على طلب صندوق النقد قبل موعد الانتخابات، وسط تساؤلات مبررة حيال الأسباب الكامنة وراء هذه العجلة على مسافة أسابيع قليلة من الاستحقاق النيابي الذي سيفرز سلطة جديدة على ضفتي المجلس والحكومة، ستكون ملزمة بتنفيذ التزامات حكومة مستقيلة حكماً بعد الانتخابات ومجلس لم تتبلور بعد توازناته وتوجهاته التشريعية.
فما الذي دفع الصندوق الى هذا الاستعجال، وما الذي دفع رأسي السلطتين التشريعية والتنفيذية الى السير بهذا التوجه بعد أشهر من المماطلة وهدر الوقت؟
لا يندرج الانهيار الاقتصادي والمالي حتماً ضمن أولويات الإجابة عن هذا السؤال بعدما أهدرت السلطات التنفيذية والتشريعية والنقدية والمالية مليارات الدولارات على سياسات دعم وتهريب، لتصل الى استجداء بضعة مليارات من الصندوق معطوفة على توقيعه للحصول على تمويل ميسّر من الدول والمؤسسات المانحة. وهذا الامر تحديداً لم يغفله الصندوق الذي يدرك أن لبنان لا يستحق برنامجاً، كما انه ليس جاهزاً للدخول في برنامج كهذا. فسلطاته لم تقم ولو بالحدّ الأدنى ممّا هو مطلوب لمواجهة الانهيار، بل هي تمضي نحو امتحان أو تحدّي الإنقاذ بالحد الأدنى من التحضير وسط عملية تقاذف مسؤوليات وتنازع صلاحيات ورصيد في الإنجاز. وهذا كان مع الأسف الانطباع الذي خرج به الصندوق من مشاوراته مع المسؤولين اللبنانيين.
لذلك، يرى الصندوق أن الاستعجال في وضع أسس البرنامج سيساعد السلطة المنبثقة عن الانتخابات في بدء عملها من مكان ما لا من المربع الصفر، بحيث بات في متناول أيدي أي سلطة جديدة اتفاق مبدئي مع “وصفة طبّية”، يمكن الارتكاز عليها والانطلاق منها، في أي عمل مستقبلي، خصوصاً أن الوقت بات ضاغطاً وفرملة الانهيار باتت أصعب وأكثر كلفة. ويدرك الصندوق أن وجود اتفاق موقع بينه وبين الدولة اللبنانية يساعد على الحصول على الدعم، كما يعي أنه بوجود جدية لدى السلطات اللبنانية، فالبرنامج موجود. أما في حالة الرهان على متغيرات على مستوى المنطقة، فيكون لبنان عندها جاهزاً ولديه برنامج.
وخلافاً للاعتقاد السائد بأن خطة التعافي هي عملياً البرنامج، الصحيح، فإن البرنامج هو جزء من الخطة التي يُفترض أن تكون أوسع وأكثر شمولية على المستوى القطاعي. من هنا، يكمن إصرار الصندوق على التوقيع قبل الانتخابات. أما بالنسبة الى السلطات اللبنانية، فهذا حديث آخر!
ينطوي التزام رئيسي المجلس والحكومة تجاه الصندوق على أهمية كبرى بالنسبة الى كليهما في المرحلة المقبلة ما بعد ١٥ أيار. فتنفيذ هذه الالتزامات أو على الأقل السعي الى تحقيقها يكسب الرجلين صدقية ورصيداً مهمّين في مرحلة ما بعد الاستحقاق. فالاول يطمح الى ترؤس دورة جديدة من البرلمان، فيما يعوّل الثاني على العودة الى رئاسة الحكومة، بعدما انسحب من الحياة البرلمانية. من هنا يصبح التوقيع قبل الانتخابات كما بعده بوجود الأكثرية الحاكمة عينها بتحالفاتها التقليدية.
أما المنضمّون الجدد الى جنة ساحة النجمة، فليس بعيداً أن ينخرطوا في التسوية المقبلة على البلاد، وقد بدأت ملامحها تتبلور ولا سيما منذ العودة الخليجية الى الساحة.



