حرب من خلف الشاشات… ساحة مفتوحة لكل أشكال التجييش (الديار 25 نيسان)

بضغطة زر، ومن خلف الشاشة، يمكن لمنشور واحد أن يشعل جدلا واسعا، أو يحرك الشارع أو يزرع الخوف والكراهية بين الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالتحريض لم يعد بحاجة إلى منابر سياسية، ولا تتطلب الفتنة خطابات جماهيرية حاشدة.
فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات لتبادل الصور، أو مساحة لتبادل الأفكار وبناء الجسور بين الثقافات وتعزيز حرية التعبير، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال التجييش، من الشائعات الاقتصادية إلى الخطابات الطائفية، مرورا بحملات التشهير التي لا رادع لها.
في لبنان، حيث التوازنات هشّة والانقسامات عميقة، تحول Facebook وTikTok وWhatsApp إلى مصادر يومية للأخبار، ما يجعل أي محتوى غير موثق قابلا للتحول إلى حدث عام خلال دقائق، في بلد يكفي فيه “بوست” أو “فيديو” واحد لإشعال التوتر، في ظل الانهيار الاقتصادي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وغياب التشريعات الرقمية الحديثة.
وشهد لبنان أكثر من مرة انتشار رسائل وتحذيرات غير دقيقة عبر تطبيقات المراسلة، ما تسبب بحالات هلع وإرباك ميداني، قبل أن يتبين عدم صحتها، كما أدت أخبار اقتصادية مضللة أحيانا إلى سلوكيات استهلاكية مفاجئة ،مثل الازدحام على المحروقات وتخزين المواد الأساسية.
خلف الشاشة تتحرر السلوكيات
في هذا السياق، يلفت الاختصاصي النفسي إلياس يونس لـ”الديار” إلى أن “التحول الجذري في وظيفة وسائل التواصل الاجتماعي بات مقلقا، إذ تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات، لبث الخلاف والتحريض، وفضاء يسمح بقول ما يصعب التعبير عنه في الإعلام التقليدي. وهذا السلوك يرتبط بما يعرف في علم النفس بتأثير إزالة التثبيط عبر “الإنترنت”، حيث يشعر الفرد خلف الشاشة بدرجة أعلى من الأمان والاختفاء، ما يدفعه إلى التخلي عن الضوابط الاجتماعية، والانخراط في خطاب أكثر حدة وعدوانية، في ظل قناعة بأن الرأي الشخصي هو الحقيقة”.
ويضيف “اختلاف الآراء غالبا ما يقابَل بردود فعل حادة ولغة تخوين، في ظل اندفاع نحو التحريض، تغذيه الرغبة في جذب الانتباه والشهرة، ما يمنح بعض المستخدمين شعورا وهميا بالقوة والتأثير داخل فضاء لا يحكمه رادع أخلاقي”.
من عقلية الحشد إلى وهم القوة
واشار أن “المتأثرين بخطابات التحريض، غالبا ما يقعون تحت تأثير عقلية الحشد، حيث يفقد الفرد استقلالية تفكيره، وينساق وراء الموجة السائدة، بحثا عن الانتماء إلى حدث أو قضية كبرى”.
ويتابع “هذا الانسياق يمنح بعض المستخدمين شعورا وهميا بالقوة والتأثير، خصوصا أولئك الذين يفتقدون دورا اجتماعيا فاعلا، فيتحول الفضاء الرقمي إلى مساحة لتعويض الإحباطات، وإثبات الذات عبر التفاعل المفرط أو العدواني”.
ويضيف “تكرار خطاب التحريض، قد يحوله إلى حقيقة في الأذهان ما يضعف القدرة على النقد والتفكير، ويجعل المتلقي أكثر عرضة للتوجيه دون وعي” ، مشددا على “ضرورة إطلاق برامج توعية ترتكز على التربية الإعلامية، خصوصا في المدارس لتمكين الأفراد من تحليل المحتوى الرقمي، والتشكيك في الخطابات العاطفية الحادة، وحماية وعيهم من الانجرار إلى صراعات لا تخدمهم”.
من يضبط الفضاء الرقمي ؟
هذا المشهد يطرح أسئلة جوهرية من يضبط الفضاء الرقمي في لبنان؟ أين تقف حدود حرية التعبير أمام خطاب التحريض؟ وما دور الدولة في ظل غياب قوانين حديثة تواكب هذا الانفلات؟
والأهم من ذلك، كيف يمكن حماية مجتمع هش من الانزلاق نحو مزيد من الانقسام، في زمن باتت فيه الكلمة أو الصورة قادرة على إشعال ما تعجز عنه السياسة؟
ad



