ما خلفية الحراك السعودي في لبنان؟ (الديار 25 نيسان)

تتكثّف الحركة السعودية في لبنان في سياق يتجاوز موقع المراقب والمؤثر عن بعد الذي اتخذته طوال الفترة الماضية إلى محاولة إعادة ضبط التوازنات السياسية في لحظة حساسة داخلياً كما اقليميا ودوليا. فمنذ الاعتصامات والتظاهرات التي شهدها محيط السراي الحكومي، والتي اتخذت منحى تصعيدياً مباشراً في مواجهة رئيس الحكومة نواف سلام، بدا أن المشهد مرشح للانزلاق نحو مزيد من التأزم، لا سيما في ظل ما تردد بوقتها عن مخطط لدى حزب الله لتنفيذ انقلاب معين يطيح بالحكومة.
عند هذه النقطة، بدا أن الرياض حسمت خيارها بالعودة إلى التأثير المباشر في اللعبة السياسية اللبنانية، انطلاقاً من تقدير مفاده أن الاستقرار الداخلي بات مهدداً أكثر من أي وقت مضى. ولم يقتصر هذا التوجه على محاولة احتواء حالة الاحتقان داخل البيئة الشيعية أو السعي إلى منع إسقاط الحكومة وبالتالي التعرض المباشر لموقع رئاسة الحكومة الذي يشكّل الموقع السني الأول في البلاد، انما تعداه لمحاولة جذب لبنان الى العمق العربي. وقد تعززت مخاوف المملكة في ظل الدفع الأميركي- الاسرائيلي الواضح والضغوط المتزايدة على لبنان الرسمي للسير بمسار مفاوضات مباشرة تؤدي الى السلام بمعزل عن الإجماع العربي الذي يستند إلى مبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، بما تعكسه من مقاربة شاملة تربط السلام العادل والشامل بحل الدولتين وبإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق المشروعة.
وتشير مصادر مواكِبة عن كثب للموقف السعودي إلى أن “الأولوية القصوى لدى الرياض في المرحلة الراهنة تتمثل في تفادي الانزلاق مجدداً إلى أي احتكاك أو مواجهة ذات طابع مذهبي سنّي–شيعي”. فهذه الصفحة، بحسب هذه المصادر، “حسمت المملكة خيار طيّها منذ سنوات، وهي ترفض بشكل قاطع العودة إليها تحت أي ظرف، إدراكاً منها لما قد يحمله هذا المسار من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة ككل”.
ومن هذا المنطلق، يندرج حرص الرياض على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، رغم التوترات التي شهدتها المرحلة الأخيرة في ظل الحرب المفتوحة في الإقليم. إذ تعكس هذه المقاربة قناعة راسخة لدى القيادة السعودية بأن إدارة الخلاف مع طهران عبر التواصل، ولو في حدّه الأدنى، يبقى أقل كلفة من افساح المجال مجددا لاحتمال الانزلاق إلى شرخ سني- شيعي، أيا كان حجمه.
وتشير المصادر في حديث لـ”الديار” إلى “موقف حاسم لدى المملكة لتجنب وضع الجيش بمواجهة مع حزب الله باعتبارها أو ليقينها بأن القسم الأكبر من عناصر وضباط الجيش هم من الطائفة السنية وبالتالي وضع الجيش بمواجهة الحزب سيعيد إحياء الصراع السني الشيعي من البوابة اللبنانية”، موضحة أن اعتراض المملكة على أي دور تلعبه سوريا راهنا في الأزمة اللبنانية لا رجوع عنه، وان كان بعض القوى الاقليمية والدولية قد ترحب بذلك لاشغال واضعاف حزب الله”. وتضيف المصادر:”المملكة كانت حاسمة في ابلاغ القيادة السورية بموقفها هذا، ما أدى الى حد كبير بتبريد الوضع على الحدود اللبنانية- السورية”.
وبحسب المعطيات، تدفع الرياض راهناً في اتجاه بلورة تفاهمات داخلية لبنانية، تعمل على رسم عناوينها العريضة تمهيداً لدعوة القيادات السياسية إلى الاجتماع وصياغة تفاصيلها في ما بينها. ويعكس هذا التوجه إدراكاً سعودياً عميقاً لحجم الشرخ القائم، ولا سيما في ظل رفض شريحة واسعة من البيئة الشيعية للإجراءات والخطوات التي تتخذها السلطة اللبنانية ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة.
وفي هذا السياق، ترى المملكة أن المخرج الأكثر واقعية يكمن في توحيد الموقف اللبناني، بما يتيح للدولة تعزيز موقعها التفاوضي وتحقيق أهداف أساسية، في مقدّمها تأمين الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. أما استمرار الانقسام الداخلي، فتُحذّر منه الرياض باعتباره عاملاً قد ينقل البلاد من مواجهة مع إسرائيل أو من صراع بين حزب الله وتل أبيب، إلى انزلاق خطير نحو فتنة داخلية وحرب أهلية قد تمتد لسنوات.



