الترسيم متوقّف شمالاً… والحكومة بانتظار رئيس للجمهورية (النهار ١١ تشرين الثاني)

لا تبدو مسألة ترسيم الحدود اللبنانية البحرية الشمالية مع سوريا أكثر سهولة من انطلاقة مسار المفاوضات الجنوبية مع اسرائيل، وسط الضبابية المخيّمة فوق التعاريج غير المحدّدة والأدوات الغائبة وعدم تشكيل فريق سوري يعتمر خُوَذ الترسيم على غرار جهوزية الجانبين اللبناني والقبرصي.
وكان انطلق الجانب اللبناني الذي يتولى مشاورات ترسيم الحدود البحرية من فكرة إنهاء المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل جنوباً ثم الانتقال إلى متابعة الترسيم الشمالي بحراً مع قبرص وسوريا. وحصل أنّ الدولة القبرصية اتخذت على عاتقها تسريع عجلة التواصل مع لبنان بعد التوصل إلى الاتفاق اللبناني الاسرائيلي، في وقت تطلّعت السلطات اللبنانية بدورها إلى تسريع وتيرة الخواتيم الترسيمية شمالاً.
وهنا، تشير مصادر لبنانية مواكبة عن كثب لتطورات الترسيم لـ”النهار” إلى أنّه “لم يسبق أن جرى بحث مع الجانب السوري حول الترسيم البحري باستثناء الاتصال الذي أجراه رئيس الجمهورية ميشال عون مع نظيره قبل انتهاء ولايته واللقاء الذي جمعه بالسفير السوري في بعبدا”، لافتةً إلى أنه “بعد الالتباس حول الموعد الذي حُدّد للموفد اللبناني لمناقشة موضوع الترسيم في دمشق، قال السفير أمام رئيس الجمهورية إن المسألة تحتاج أن يحضّروا فريق العمل الذي سيفاوض الجانب اللبناني وإن الموعد تأجّل ولم يُلغَ؛ لكن أيّ موعد لم يحدّد”.
وتطرح مجموعة تساؤلات حول أسباب عدم تعيين موعد آخر للموفد اللبناني تلقائياً أو حتى اللحظة، ومدى جدية النظام السوري في مباشرة مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع لبنان. ويقرأ نواب سياديون في دعوة النائب الياس بو صعب إلى ما سماه الاتجاه إلى “حوار علني” في موضوع الترسيم مع دمشق، وكأنه التعبير عن اشتراط قائم على جعل مفاوضات الترسيم على نطاق حكومي مباشر لا انطلاقاً من لجان مشكّلة. وعلى اختلاف الشكل، لا يبدو أن الترسيم سيكون متاحاً قريباً.
وبحسب أوساط رئاسة الحكومة اللبنانية لـ”النهار” فإن “موضوع ترسيم الحدود البحرية الشمالية لم يطرح أمام الوزراء المتخصّصين ولن يكون على جدول الأولويات الحكومية في المرحلة المقبلة. وإذا كانت قد تشكلت لجنة لمتابعة شؤون الترسيم قبل أيام من نهاية العهد الرئاسي، إلا أن تساؤلات تطرح حول عملها في إطار غياب السلطات المكتملة”. ولا تقرأ أوساط رئاسة الحكومة “قابلية لترجمة فكرة تشكيل موفد رسمي وإجراء مباحثات بين الحكومتين اللبنانية والسورية لجملة اعتبارات؛ أوّلها أن الحكومة في حالة تصريف أعمال، بما يحتاج مجلس وزراء فاعل بصلاحيات كاملة، في وقت تتمثل الاولوية الداخلية والدولية في ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة. وثانيها أن الأوضاع السياسية لا تسمح بالتواصل العادي من دون ضوابط مع النظام في سوريا، وهذه مسألة تحتاج حكومة كاملة الصلاحيات تقارب الموضوع بما يتناسب مع النظرة العربية والدولية بالتوافق مع رئاسة الجمهورية”. وتستنتج أن “الضرورات الراهنة يمكن أن تستدعي تنسيقاً على نطاق بعض الوزراء بين الجانبين أو انطلاقاً من اعتبارات انتماء بعض النواب السياسي، بما يجعل المباحثات حيال ترسيم الحدود البحرية الشمالية متاحة إذا حصلت من منطلق اتخاذ النائب بو صعب خطوة مماثلة على عاتقه الشخصي كمكلّف بمتابعة موضوع الترسيم مع سوريا وقبرص بانتظار معرفة مقاربة الحكومة المقبلة الكاملة الصلاحيات”.
دستورياً، يقول نقيب المحامين سابقاً الوزير السابق رمزي جريج لـ”النهار” إن “الحكومة المستقيلة تقوم بتصريف الأعمال بالمعنى الضيق، وإذا استمرت أزمة الفراغ الرئاسي طويلاً يمكن حكومة تصريف الأعمال أن تستعيد بعض الصلاحيات عند الضرورة باعتبار أن مفهوم تصريف الأعمال مطاطيّ بحسب الظروف ولأن الضرورات تبيح المحظورات،” مضيئاً على “مقاربة الدكتور بهيج طبارة تحت عنوان “مفهوم تصريف الأعمال في الأزمات الكبرى” الذي يشرح خلالها كيفية إتاحة اجتماع حكومة تصريف أعمال لإقرار الموازنة أو لمواجهة أزمة طارئة تحتاج حاجة ماسّة للمعالجة”. ويؤكّد جريج أنّه “من الأفضل في المعطى الدستوري استكمال موضوع الترسيم البحري مع قبرص وسوريا بُعَيد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات”، مضيفاً أن “التبادل الديبلوماسي قائم مع دمشق رغم المشكلة السياسية الكبيرة مع النظام السوري، ولا بدّ من معرفة مدى الموافقة السورية على بحث الترسيم طالما أنها تقابل لبنان بشبه رفض”.
من جهته، يوضح الباحث الدستوري الدكتور سعيد مالك لـ”النهار” أنه “عملاً بأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني، يتولى رئيس الجمهورية التفاوض بأيّ معاهدة أو اتفاقية، وتالياً ليس بالاستطاعة مع غياب رئيس الجمهورية أخذ صلاحية لهذه المسألة بانتظار انتخاب رئيس عتيد للجمهورية يتابع شخصياً ملف الترسيم أو يوكل من يلزم هذا الموضوع”، مشيراً إلى أن “موضوع مشروعية التفاوض مع النظام السوري بحاجة إلى بحث، لكن بالنسبة للصلاحيات فهي معقودة لرئيس الجمهورية الذي يقدّر عندما ينتخب بعد تشكيل الدولة اللبنانية وتكوينها مع الحكومة الجديدة إذا كان ترسيم الحدود يحصل مع نظام صديق أو مجرم”. ويلفت مالك إلى أن “اللجنة التي تشكلت لمتابعة ترسيم الحدود مع قبرص وسوريا باتت حالياً من دون مرجعية بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية الذي يتخذ القرار بتكليف اللجنة نفسها أو التعديل فيها”.



