مجلس النواب الممدّد لنفسه … أي دور؟( نداء الوطن ٨ نيسان)

بينما يشكّل مجلس النواب في لبنان سلطةً ثانية يفترض أن تؤدي دور صمّام الأمان في الحفاظ على السلم الأهلي في اللحظات الأكثر حساسية، يبدو أن هذا الدور اليوم في حالة تقلّص واضح، وعاجز عن احتواء تشنجات الشارع والساحات الافتراضية، وضبط إيقاعها داخل المؤسسات الدستورية.
فمنذ انخراط “حزب الله” في حرب إسناد غزة، وصولًا إلى تمدّد مواجهته مع إسرائيل إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، علق ممثلو الشعب اللبناني خارج قبة البرلمان وداخلها بين الجمود والتمديد.
لم يشترك النواب في أي قرار يتعلق بالحرب وإيقافها. حتى عندما حمل رئيس المجلس على كتفه اتفاقية إنهاء العمليات العسكرية إثر موجة الحرب الأولى، تجنب نقل النقاش حول هذا الاتفاق إلى داخل المؤسسة التي يرأسها.
وهكذا بقي مجلس النواب غائبًا عن أي نقاش وطني. وربما يكون ذلك متعمدًا وفقًا لما يقوله الوزير السابق زياد بارود لـ “نداء الوطن”، خشية من أن يكشف البرلمان نفسه، حجم التباينات أو العجز عن إنتاج قرار في ما يتعلق بهذه الحرب.
وهكذا، بدلًا من أن يكون المجلس “الساحة الصحية لنقل الجدل من الشارع والإعلام”، تُرك الجدل ليتفاقم خارج المؤسسات، في بيئات أكثر هشاشة وقابلية للانفجار، وهذا ما حصل في معظم ولاية مجلس النواب الممددة.
التعطيل سمة ولاية المجلس
إذًا، مرّت ولاية مجلس النواب الأساسية خلال السنوات الأربع الماضية، بظل جمود متقطع، لم تخرقه إلا جلسات صُنفت بالمصيرية، أبرزها انعقاد الهيئة العامة لانتخاب رئيس الجمهورية، ومن ثم لمنح الثقة للحكومة. إلى جانب النقاشات التي خاضها لتأمين مصادر التمويل لعملية إعادة الإعمار اللازمة.
ولكن في معظم الأحيان بقي التعطيل سمة ولاية المجلس الحالي الأساسية. إلى أن اجتمع عقده بسلاسة لافتة في الأسبوع الأوّل من اندلاع موجة الحرب الثانية على الأراضي اللبنانية، وأقرّ تمديد الولاية بذريعة “الظروف القاهرة الاستثنائية”.
ولكن التمديد المطعون بشرعيته أمام المجلس الدستوري، بدا غير متلازم حتى الآن مع أداء فعلي يبرّر استمرارية هذا المجلس. لا بل ضيّق رئيس مجلس النواب منذ لحظة التمديد نفسها هامش النقاش حيال الطروحات التي قدّمها النواب لتوسيع البحث في تداعيات الحرب المتجدّدة.
بالمقابل، تجاهلت هيئة مكتب المجلس الدعوة لجلسات عامة استثنائية. وهو ما طرح السؤال عما إذا كان التوجه اليوم هو لتعطيل إضافي للمجلس بذريعة الحرب؟ أم أن الحرب باتت، بحد ذاتها، تبريرًا لتعطيل الدولة ومؤسساتها الدستورية؟
التمديد ليس سابقة ولكن…
طبعًا، ليس التمديد لولايات مجالس النواب، سابقة في تاريخ لبنان، وعليه لم يكن التمديد الأخير حاجة لكشف حجم الخلل بين النصوص الدستورية وتطبيقها. ولكن الحرب المتمددة على موجتين منذ العام 2023 عمّقت هذه الهوة، بما بات شاهدًا على بلد يُدار ببدائل غير دستورية.
قد يختزل قرار الحرب والسلم جوهر القضية. فحول هذا القرار تحديدًا تتكشف حدود الدولة، وتتراجع المؤسسات، وتبرز مراكز قرار موازية، تتقدّم على النصوص الدستورية.
ففي الدستور كما يشرح بارود لـ “نداء الوطن” تمنح المادة 65 مجلس الوزراء بأكثرية ثلثي أعضائه الحق في إعلان الحرب. ما يعني أن قرار الحرب هو للحكومة بأغلبية أعضائها.
ولكن هذه المادة تبدو منذ عقود وكأنها لم تكتب لتطبّق. بل رسّخت الأفضلية التي منحتها العهود المتعاقبة لـ “حزب الله”، أمرًا واقعًا. وقد أمعن ذلك في إظهار الدولة عاجزة أمام قرارات الدويلة “المصيرية”، حتى بعد انتهاء مرحلة التعايش مع ازدواجية السلاح ومعادلة “الأرض والشعب والمقاومة”، والانتقال إلى تصنيف سلاح “الحزب” كخروج عن الشرعية.
“الدولة العميقة” هنا
ولكن “دخول الحمام ليس كالخروج منه” كما يقال. إذ يرى النائب أنطوان حبشي في تصريح لـ “نداء الوطن” أن “الدولة العميقة التي نشأت بموازاة الواقع الشاذ الذي حكم البلد طيلة السنوات الماضية، وبما حملته من فساد وتشابكات ومخاوف، لا تزال تشكّل حليفًا موضوعيًا لانتهاك السيادة”. مستشهدًا في ذلك بما رافق تطبيق قرار الحكومة في رفع الغطاء عن أعمال “حزب الله” الحربية، من توقيف لعناصر تابعين له، مع مضبوطات من السلاح المتوسط، ومن ثم الإفراج عنهم مقابل مبلغ 900 ألف ليرة فقط وخلال ساعات قليلة، بينما يستغرق الإفراج عن مطلق نار في مأتم أو فرح مدة أطول من ذلك بكثير.



