أكثر دول العالم رفعاً لأسعار الوقود منذ بداية حرب إيران.. ماذا عن لبنان؟

منذ 28 فبراير 2026، اليوم الذي تحولت فيه المواجهة مع إيران من توتر مزمن إلى حرب مفتوحة بتداعيات إقليمية مباشرة، لم تعد أسعار المحروقات مجرد انعكاس لحركة النفط العالمية، بل تحولت إلى مؤشر جيوسياسي يكشف هشاشة بعض الاقتصادات، وقوة تدخل الدولة في اقتصادات أخرى.
فبينما قفزت أسعار البنزين والديزل في دول بعينها بنسب غير مسبوقة، نجحت حكومات أخرى في كبح الصدمة أو حتى خفض الأسعار، في مشهد يعكس بوضوح من يدفع ثمن الحرب ومن يمتصها؟.
وفق بيانات موقع “Global Petrol Prices”، تصدرت دول آسيوية وناشئة قائمة أكبر الزيادات النسبية في أسعار المحروقات منذ 28 فبراير، وفي مقدمتها ميانمار وماليزيا وكمبوديا ولاوس، حيث تجاوزت الزيادات في بعضها عشرات النقاط المئوية خلال أسابيع قليلة.
هذه الدول تشترك في ثلاث سمات رئيسية: اقتصادات مفتوحة على الاستيراد، عملات محلية ضعيفة أمام الدولار، وأنظمة دعم جزئية لا تستطيع امتصاص صدمة أسعار النفط العالمية المرتفعة وتكاليف الشحن والتأمين التي انفجرت مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز وبحر العرب.
في أوروبا الشرقية، برزت مولدوفا ضمن الدول الأعلى ارتفاعاً، متأثرة بضعف العملة والاعتماد الكامل على الوقود المستورد، ما جعل أي صعود في النفط أو أقساط التأمين البحرية ينعكس فوراً على السعر النهائي في محطات الوقود.
العالم العربي.. زيادات متفاوتة والعملة كلمة السر
سجل لبنان أعلى زيادة في أسعار المحروقات بين الدول العربية، ليس فقط بفعل الحرب، بل نتيجة التركيبة المعقدة للأزمة اللبنانية: انهيار العملة، غياب الدعم، وربط الأسعار اليومي بالسوق العالمية.
هنا، لم تكن الحرب سوى الشرارة التي فجرت زيادات متسارعة، خصوصاً في الديزل الذي يعد عصباً للاقتصاد اللبناني.
في مصر والأردن، جاءت الزيادات أقل حدة نسبياً، لكنها كانت واضحة ومباشرة.
وفي الحالتين، تتحرك الأسعار ضمن آليات تسعير رسمية تأخذ في الاعتبار أسعار النفط العالمية وسعر الصرف، ما جعل الحرب تنعكس بزيادة تدريجية بدلاً من قفزة صادمة، مع حرص حكومي على عدم نقل كامل العبء دفعة واحدة للمستهلك.
وعلى عكس دول الدعم، عكست الإمارات التأثير الكامل للحرب على الأسعار، حيث ارتفعت أسعار البنزين والديزل بشكل ملحوظ، خاصة الديزل، في ترجمة فورية لارتفاع النفط وتكاليف النقل والتأمين.
غير أن هذه الزيادات، رغم وضوحها، جاءت في اقتصاد قادر على امتصاصها دون اختلالات تضخمية حادة.
في المقابل، حافظت السعودية والكويت والبحرين وعمان على استقرار نسبي في أسعار المحروقات، بفضل مزيج من الإنتاج المحلي، والدعم الحكومي، والقدرة المالية على امتصاص الصدمات الخارجية، ما عكس اختلافاً جذرياً في فلسفة إدارة الأسعار مقارنة بالدول المستوردة.
خفض أسعار الوقود
ورغم اشتعال الجبهات، أظهرت بيانات “Global Petrol Prices” أن عدداً محدوداً من الدول خفض أسعار الوقود أو أبقاها دون تغيير يذكر، من بينها بنغلاديش، كولومبيا، أرمينيا ومدغشقر.
هذا الاتجاه لم يكن نتيجة انخفاض النفط، بل بسبب: تدخل حكومي مباشر لاحتواء التضخم، وتحسن مؤقت في سعر العملة، أو استخدام مخزونات استراتيجية لتأجيل نقل الصدمة للمستهلك.
اللافت أن أياً من الدول العربية لم يكن ضمن قائمة خفض الأسعار، ما يعكس ضيق هامش المناورة في المنطقة مقارنة ببعض الاقتصادات الآسيوية أو اللاتينية.
وتكشف خريطة أسعار المحروقات منذ 28 فبراير 2026 أن الحرب مع إيران لم تضرب الجميع بالتساوي، فالدول ذات العملات الضعيفة والأسواق المفتوحة دفعت الثمن فوراً، بينما استخدمت الدول الغنية أو المنتجة للنفط أدواتها المالية لامتصاص الصدمة.



