أخبار لبنانتقارير وإحصاءات

كتاب نهوض لبنان (9): سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،

في حلقة اليوم (9) ننشر الفصل التاسع تحت عنوان “سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة

—————————————————–

سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة

 

تشمل سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة مجموعة اجراءات مالية وضريبية وبرامج تدريب في شتى المجالات، تهدف الى دعم انشاء وتطوير المؤسسات المكروية ( التي تشغل اقل من عشرة اشخاص بما فيهم صاحب العمل وافراد عائلته) والصغيرة (اقل من 50 شخصا). 

لقد احتلت المؤسسات الصغيرة، ولا سيما المكروية منها، مكانا مرموقا في الحياة الاقتصادية، وازدادت اهمية بعد اندلاع الازمة العالمية عام 2008 ، اذ تبين ان ازدهار تلك المؤسسات، هو من اهم وسائل مكافحة البطالة المستفحلة بالعالم الغربي، الذي لم يشهد تلك الارقام للبطالة منذ عشرات السنين. ولقد تخطت البطالة في عدة دول من الاتحاد الاوروبي نسبة 10% لا سيما فرنسا وايطاليا، وارتفعت الى 15% في البرتغال، وحتى الى 25% في اليونان واسبانيا، حيث بلغت بطالة الشباب نسبة 40% – اما دول جنوب وشرق البحر الابيض المتوسط فكان متوسط البطالة فيها يفوق 14% قبل الازمة العالمية، وقد ازداد حكما من جراء الازمة الاقتصادية والربيع العربي، ولكن الاخطر من ذلك، ان واقع العمالة في تلك الدول غير مجد بنيويا حيث تشكل القوى العاملة نسبة لا تفوق 45% من السكان بسن العمل، اي ما بين 15 و64 سنة، في الوقت الذي ترتفع فيه النسبة في دول الاتحاد الاوروبي الى 65%، ويعتبر الخبراء ذلك غير كاف.

وقرر الاتحاد الاوروبي عام 2010 مساعدة دول جنوب البحر المتوسط في اعداد وتطبيق “سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة”  Small Business Act على غرار ما طبق في اوروبا: وكلفت “مؤسسة التدريب الاوروبية”European Training Foundation  مركزها تورينو، اعداد وتطبيق برامج تهدف الى تأهيل التعليم، وتحسين التدريب المهني، لا سيما على صعيد اصحاب عمل المؤسسات المكروية والصغيرة، وخاصىة المؤسسات الناشئة حديثا.

وتجاوبت الدولة اللبنانية مع هذا المشروع، كما تجاوب سائر التسع دول المستفيدة في جنوب وشرق المتوسط، ووقعت اتفاقية تعاون تستهدف في نهاية المطاف اقرار وتطبيق قانون اطار ينمي المؤسسات الصغيرة و المكروية، لا سيما الناشئة حديثا في لبنان، وتحتاج الى عناية خاصة كي تستمر وتنمو.

الحكم الرشيد في مجال الاستثمار في جنوب المتوسط

باشرت مؤسسة التدريب الاوروبية ETF باعداد مشروع للبنان، كما في سائر البلدان المستفيدة، وانشأت لجنة مشتركة بين ممثلين عن الوزارات المختصة  والمجتمع المدني والهيئات الاقتصادية، ادى الى ابراز مشروع اول يقضي بتدريب الشباب الراغبين في انشاء مؤسسة فردية والقيام بدور “رجل الاعمال”، عبر تجارب على نطاق ضيق للظروف التي سوف يجدونها في عالم الاعمال.

واختير هذا المشروع الاول بالتوافق، من اصل ثلاثة مشاريع سوف تأتي تباعا. وتم اختيار ستة معاهد لتطبيق هذا البرنامج وفي طليعتها مدرسة الفنون والحرف في الدكوانة.

 

التجربة الاوروبية

تبنى الاتحاد الاوروبي سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة Small Business Actعام 2008 الامر الذي يشير الى اجماع دول الاتحاد على اهمية المؤسسات الصغيرة وتميزها عن النشاط الاقتصادي العام وضرورة وضع نشاطها ضمن اطار مناسب لانشائها وتطويرها. وباتت الازمة العالمية احد الاسباب التي حثَت على تطبيق هذه السياسة حيث ارتقبت الدول ارتفاع البطالة وضرورة ايجاد وسائل كفيلة بالحد منها. والجدير بالذكر ان السياسة الاوروبية شملت المؤسسات المتوسطة ( التي تستخدم ما دون 250 اجيرا)؛ وبذلك يكون قد شملت سياسة دعم المؤسسات الصغيرة 99% من المؤسسات وحوالي 70% من اجمالي الناتج المحلي.

وتتميز “السياسة الاوروبية للمؤسسات الصغيرة” بثلاثة عوامل يعتبرها المستثمر اساسية لازدهار المؤسسة وتشجيع التوظيف فيها:

اولا: الحد من البيروقراطية وتسهيل كافة المعاملات الادارية؛

ثانيا: تسهيل حصول المؤسسة على التمويل؛

ثالثا: المساعدة على عولمة المؤسسة الصغيرة والمتوسطة وفتح امامها الاسواق العالمية.

 

تسهيل المعاملات الادارية

مع الانفتاح الاقتصادي على الصعيد العالمي، اصبح من الصعب اعطاء حوافز للاستثمار لا تدفع الدولة ثمنها. فالاعفاءات والضمانات لتحويل الارباح والراسمال التي كانت الدول تمنحها لتشجيع الاستثمار، اصبحت ممارسات طبيعية وعادية يستفيد منها الجميع في ظل الانفتاح الاقتصادي الكلي في الدول الاوروبية، والمتنامي في دول جنوب وشرق المتوسط، خاصة بعد توقيع اتفاق الشراكة واتفاق منطقة التجارة الحرة الكبرى واتفاقية اغادير وغيرها ؛ والدخول و/او السعي للدخول في منظمة التجارة العالمية.

ويجب الآن تقييم  فوائد الاستثمار على العمالة والدخل مقابل كلفة التنازل عن الضرائب و/او منح قروض بفوائد ميسرة و/او بيع اراضي لاقامة المشاريع باسعار مخفضة. علما ان المستثمر لا يبحث عن تلك الفوائد الا اذا باتت تؤمن ربحية المشروع، وهذا ليس اكيدا، والعكس هو الصحيح: فان كان مناخ الاستثمار غير ملائم، عبثاً ما تفعله الدولة لجلب الاستثمارات. اما اذا كان المناخ صحيا ويدعم توقعات الربحية، يأتي الاستثمار حتى بغياب كافة الحوافز المصطنعة.

والحقيقة ان المشكلة ليست بالحوافز بل بالعوائق. واهمها البيروقراطية الادارية. ان انشاء شركة في بعض الدول يتم باقل من ساعة واحدة ويكلف بضعة يورو؛ بالتأكيد اقل من كلفة المرآب حيث اوقف طالب التسجيل سيارته. اما في لبنان يستغرق الامر اسابيع وبعض الاحيان اشهراً. وما هو اصعب من انشاء الشركات، اقفالها وتصفيتها، ذلك يستغرق سنوات. ومن الطبيعي ان يحجب المستثمر عن التوظيف في مجال الاعمال في لبنان والدول البيروقراطية المماثلة، الا اذا لجأت الى حوافز تعوض كلفة وازعاج البيروقراطية، وذلك ينعكس سلبا على الناتج المحلي.

وعهدت مؤسسة التمويل الدولية، التابعة للبنك الدولي، عملية تصنيف البلاد من ناحية سهولة الاعمال فيها، وتصدر كل سنة لائحة بكافة الدول التي تتابعها من خلال معايير صحيحة ومرنة. على سبيل المثال لقد صَنَف Doing Business in Lebanon  الادارة اللبنانية من حيث مناخ الاعمال بالدرجة 105 من بين 218 دولة. وكل دولة واعية على مصالحها تسعى الى ان تصنف بين الدول في المرتبة الاولى والتي تتميز بجاذبية قوية بدلا من اعطاء الحوافز المكلفة التي تفوق احيانا فوائد التوظيف.

 

تسهيل حصول المؤسسة على التمويل

تتوجه المصارف بشكل طبيعي نحو الشركات الكبيرة، التي يحدد قيمتها تداول اسهمها في البورصة،  وهي قادرة على استثمار مبالغ ضخمة، ولها قدرة موثوقة على التسديد بالاستحقاقات المتفق عليها. وغالبا لا تحتاج الى ضمانات تحد من طاقتها بالاستدانة.  ويعرف ذلك “بآلية تمويل الشركات الكبيرة  corporate finance ويمكن ان تكتفي المصارف بهذا السوق في التسليف اذا ما تسنى الى جانبه سوقاً آخر محلياً لسندات الخزينة يفوقه اهمية بكثير. اما المؤسسات المتوسطة والصغيرة فيطلب منها ضمانات عينية تتخطى غالبا قيمة القرض؛ مما يجعل طاقتها بالاستدانة، ومن ثم بالانتاج محدودة .

وهنا يأتي دور الدولة والسلطات المالية والمؤسسات الدولية والهيئات الاقتصادية، المثل الاقدم والاهم كان في امريكا في مطلع الخمسينات عندما انشئت مؤسسة Small Business Administration  التي تولت تمويل و/او منح الضمانات اللازمة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما يقوم البنك الدولي والبنك الاوروبي للاستثمار بتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبر المصارف المحلية، ولكن بشروط مريحة وفقا لمعايير محددة مسبقا. وهنالك عدة صناديق ذات دعوة عالمية او اقليمية تسعى الى تلبية حاجات المؤسسات الصغيرة خاصة بتمويل المشاريع المبدعة التي تساهم بتطوير الانتاج والاستهلاك.

على الصعيد المحلي، قامت “صناديق ضمان التسليفات” Credit Guarantee Funds باكبر دور في عولمة الشركات، حيث نشأت في القطاعات المهنية، وكان لها معرفة وثيقة بالنشاطات الاقتصادية التي تضمنها، وغالبا ما تمارس دور المستشار في مجالات التوظيف والتسليف. ولعب المصرف المركزي في لبنان دورا كبيرا في تمويل المؤسسات الصغيرة عبر الاموال التي خصصها لهذا الغرض بفوائد ميسرة تتيح لها ان تعوض شيئا من ضعف انتاجيتها، وتدخل عالم المنافسة بشروط افضل.

ولن ينحصر تسهيل حصول المؤسسة على التمويل بمنحها الفوائد الميسرة وشروطاً افضل للاستدانة، بل يتناول ايضا تدريب المؤسسات خاصة المكروية والمستجدة منها على اعداد البيانات المالية وتوصيف مشروعها الاقتصادي والقيام ببرنامج عمل Business plan يوضح كل ذلك ويضفي على المؤسسة مصداقية تحتاج اليها المصارف من اجل تسليف اموال المودعين. وتقوم بهذا العمل شبه مجانا في دول الجنوب وكالات دولية “كمنظمة الامم المتحدة للنتمية الصناعية”   UNIDO و”برنامج الامم المتحدة الانمائي”  UNDP و”الوكالة الفرنسية للتنمية” AFD  ومؤسسة GIZ الالمانية وغيرها، والعديد من البرامج الامريكية والاوروبية؛ كما ان هذا من صلب عمل غرف التجارة والصناعة والزراعة في دول الجنوب.

 

المساعدة على عولمة المؤسسة

ما هو الفرق بين عولمة المؤسسة والتصدير ؟ منذ انفتاح الاسواق، يمكن القول ان كل ما يباع في الخارج يباع بالحري في السوق المحلي، وكل مايباع في الداخل يجد اسواقا في الخارج. ذلك لان انفتاح الاسواق على بعضها يفسح المجال امام تحسين شروط الاستهلاك، وبالتالي يتسنى للمستهلك كما للصناعي استخدام انسب الموارد اينما وجدت.

من جهة ثانية اصبح الانتاج مؤهلا لاسواق عديدة تستهلك كميات شاسعة لم يعرفها المنتج سابقا في السوق المحلي، وبالتالي يستفيد من اقتصاد الحجم لتحسين الانتاجية والطاقة التنافسية؛ الامر الذي انعكس تقدما في مستوى المعيشة في كافة انحاء العالم الحر وساهم بالقضاء على الاقتصاد الموجه.

 

مصادر “سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة”

من المفيد معرفة المصادر التي انبثقت منها فكرة “سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة” لفهم ابعادها وتطبيق اهدافها والاستفادة منها استفادة كاملة. وتنسب هذه الفكرة الى المبادرة التي اخذها رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة عام 1932 لمواجهة الانهيار الاقتصادي، الناتج عن الازمة العالمية، بانشاء “مؤسسة تمويل اعادة الاعمار” Reconstruction Finance Corporation من اجل تمويل الشركات، كبيرة كانت ام صغيرة، التي عانت من الازمة الاقتصادية. ومن بعده استخدم الرئيس فرانكلين روزفلت تلك المؤسسة كاداة فاعلة في خطته لانعاش الاقتصاد The New Deal ووسع صلاحياتها وزود كادراتها بالعناصر الكفوءة؛ ولعبت هذه المؤسسة دورها على اكمل وجه حتى الحرب العالمية الثانية، التي شكلت مشروعا انتاجيا عملاقا دعم كافة المؤسسات الاميركية وفقا للنظرة الكينزية. واتجهت المؤسسة اكثر فاكثر نحو المؤسسات المتوسطة والصغيرة ، واستمرت حتى عام 1952 حيث حل مكانها مؤسسة اكثر تلاؤما مع هذا الغرض.

في ذلك الحين اختار الرئيس ايزنهاور انشاء مؤسسة محددة الاهداف والامكانات تساعد المؤسسات الصغيرة بدلا من تلك المؤسسة العملاقة. وفي 30 تموز 1953 اقر الكونغرس الاميركي قانونا يقضي بانشاء “وكالة المؤسسات الصغيرة” Small Business Administration   تستهدف “مساعدة وتوجيه وحماية المشاريع الصغيرة والمحافظة على مصالحها. واشار القانون الى ان تسعى المؤسسة  لتأمين حصة عادلة من مناقصات الحكومة الى المؤسسات الصغيرة.

وفي مطلع عام 1954 باشرت “وكالة المؤسسات الصغيرة” بمنح القروض مباشرة الى المشاريع الصغيرة، ومنحها الكفالة لدى المصارف؛ وتقديم لها المساعدة الفنية والتدريب في شتى مجالات الاعمال؛ كما انها اعتنت بضحايا الكوارث الطبيعية.

ومن ثم خلقت الادارة الامريكية “وكالة تشجيع التوظيف في المشاريع الصغيرة” عام 1958، كما باشرت وكالة المؤسسات الصغيرة بمكافحة الفقر عبر برنامج “قرض تكافؤ الفرص  Equal Opportunity Loan

 

المبادئ التي ترتكز عليها سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة

يعتمد الاتحاد الاوروبي والدول المشاركة على عشرة مبادئ. ومن الطبيعي ان يتم تطبيقها في الدول المستفيدة ومنها لبنان. يبقى علينا واجب تقييمها على ضوء الواقع الاقتصادي – الاجتماعي القائم وحتى السياسي والامني، لتحديد امكانية نجاحها وبالتالي الحكمة من اعتمادها، وهي:

1 – تشجيع المبادرة الفردية

ان المواطن اللبناني ليس بحاجة الى كثير من التشجيع ليغامر وينشئ مؤسسته. ان حب المبادرة هو في طبيعته، نماها الاقتصاد الحر، وغياب المؤسسات الصناعية الكبيرة القادرة على الاستخدام الكثيف، وكذلك غياب الدولة الراعية، والحياة العائلية التي توفر بسهولة راسمال صغير للانطلاق، والرغبة القوية في اكتساب العلم.

وفي السنوات الاخيرة ضاعفت البطالة الحاجة الى مؤسسات فردية تعوض عن فرص العمل المضمحلة، فانطلقت المؤسسات الناشئة  startups ، وباتت وحدها الصيغة البديلة للهجرة المستفحلة بالبلاد وخسارة الطاقة البشرية الشابة والكفوءة القادرة على تنمية وتطوير الوطن.

وهنا تبدو اهمية مناخ الاستثمار الذي يؤمن تكافؤ الفرص بين كافة القطاعات والنشاطات، ومن ثم الانتاجية اللازمة للمشاركة بالاسواق العالمية والدفاع عن السوق المحلي في ظل الانفتاح الاقتصادي الشامل – مع العلم ان المؤسسة الصغيرة تشكو من ضعف الانتاجية مقارنة بالمؤسسات الكبيرة التي تتمتع بحسنات اقتصاد الحجم، وتملك وتسيطر على وسائل الانتاج والتوزيع الحديثة، كما تؤمن مكونات الانتاج بافضل الاسعار، وتحصل على التمويل الكافي بافضل الشروط. وهذا يشير بوضوح الى الاجراءات التي يجب ان يتخذها الاقتصاد مرحليا للمحافظة على المؤسسات الصغيرة، لا سيما الحديثة، والاستفادة من مساهمتها بالناتج المحلي ومكافحة البطالة.

2 – قانون الافلاس والفرصة البديلة

تقدمت مؤسسة التمويل الدولية من الحكومة اللبنانية بمجموعة ارشادات لتحديث قانون الافلاس وجعله ملائما للتطور الاقتصادي. وتشجع الدولة انشاء المؤسسات الصغيرة وترى فيها الحل الافضل لمكافحة البطالة، ولكن تبين ان فترة حياة تلك المؤسسات محدودة جدا، فمن اصل خمس مؤسسات نشأت حديثا تستمر واحدة فقط بعد خمس سنوات؛ ويكون مصير الاربع التالية التصفية اختيارا ام جبرا اي الافلاس. وتتعرض اليوم للافلاس كل مؤسسة متعذرة عن الدفع، سواء عانت من عجز بالاصول او فقط بالسيولة. ومن الصعب جدا ان يعود من واجه حكم افلاس الى عالم الاعمال. وهذا يعني ان قانونا حكيما للافلاس هو شرط اساسي للمحافظة على مؤسسات الانتاج والطاقة البشرية العاملة فيها والقادرة على ادارتها.

والجدير بالذكر ان اسباب الافلاس عديدة ولكن يمكن القول ان النسبة الاكبر منها تعود الى اسباب اقتصادية ثابتة او ظرفية، ومن المفيد تحليلها:

  • ان التطور الاقتصادي لبلد ما يجعل بعض النشاطات غير مجدية، و كانت ناجحة جدا في وقت من الاوقات، وهذه الظاهرة معروفة جدا وقد حللها بشكل مسهب عدد من الاقتصاديين، ومن بينهم Paul Romer (Crazy explanation of the production slowdown) و Robert Mundell (Mundell Fleming model) وفي الستينات Boston Consulting Group وفي بداية الفكر الاقتصادي المنظم William Petty (Petty’s Law) ؛ وهنا يطرح ثلاثة اسئلة:
    • هل يمكن تطوير الانتاج ليتوافق مع الاسواق المتغيرة ؛
    • هل ان ادارة المؤسسة قادرة على القيام بهذا التطور، علما ان معظم الاحيان صاحب المؤسسة الصغيرة يتقن مهنة ولا يستطيع القيام بشكل منتج بسواها؛
    • هل للدولة دور بتطوير المؤسسة عبر مناخ استثمار يساعد على تطوير الانتاج و/او بيع المؤسسة و/او دمجها .
  • كما ان في ظروف الازمات الاقتصادية يضمحل عدد لا يستهان به من المؤسسات المليئة، التي فقدت السيولة جراء التشدد بالتسليف وصعوبة تحصيل الديون. فان لم تع الدولة خصوصية هذا الظرف وتساعد المؤسسات على اجتياز تلك المرحلة الدقيقة، خسرت جزءا لا يستهان به من اجمالي الناتج المحلي.
  • فضلا عن تأثير الاوضاع السياسية والامنية على بعض النشاطات المرتبطة بالخارج، والتي تزداد يوما بعد يوم بحكم الانفتاح الاقتصادي. وفي السنوات الاخيرة شهدنا انهيار العديد من المؤسسات السياحية جراء مقاطعة السياح العرب لبنان. وليس من زمن بعيد كنا نقول “السياحة هي نفط لبنان” اليس من المجدي الحفاظ عليها؟

وفي النظرة الشاملة، كما في النظرة المكروية، ان اهم عناصر الاصول تكمن في الموجودات غير المادية: الاسم التجاري، الشهرة، الخبرة في الانتاج والتسويق، العلامات الفارقة، الموردون، الزبائن، الجهاز البشري، الهيكل الاداري والتنظيمي. كل ذلك يضمحل بالافلاس. بالطبع يوجد قانون للصلح الواقي، ولكن بات اللجوء اليه في السنوات الاخيرة مجرد نظري.

وقد انشأت رئاسة مجلس الوزراء فريق عمل لتطوير قانون الافلاس يتضمن مراحل جديدة ويعدل الاجراءات القائمة لبلوغ الهدف المنشود، اي عدم القضاء على المؤسسة بالافلاس اذا كان هنالك من حل بديل. وهذا الحل يأتي عن طريق “اجراءات اعادة التنظيم” و”اجراءات الانقاذ” قبل اللجوء الى “اجراءات التصفية” – وكل ما نخشاه ان لا يكون هذا المشروع اقل تعقيدا من قانون الافلاس الحالي اذا لم يشارك به اكثرية من الاقتصاديين ورجال الاعمال، لان الحل ليس فقط بالاجراءات، بل بمناخ الاستثمار، وسهولة تطوير الشكل القانوني للمؤسسة، وبيعها او دمجها، وبالتالي تقييم الموجودات غير المادية؛ وكل ذلك مهمة مستحيلة في ظل قانون التجارة الحالي والضرائب المعمول بها.

3 – الادارة العامة: التركيز على الاجراءات المحدودة اولا

ان رفع مستوى دول شرق وجنوب البحر المتوسط اولوية بالنسبة للاتحاد الاوروبي الذي يعتبرها جزءا لا يتجزأ من المحيط الاقتصادي الذي يتولى قيادته، والذي يشكل الكتلة القادرة على منافسة العمالقة الاقتصادية الامريكية والاسيويه والاستفادة من فوائد الانفتاح . والفلسفة الاوروبية تعتبر، عن حق، ان الدعم لا يفيد ما لم يولد طاقة للاستمرار في الدول المستفيدة.

والجدير بالذكر ان معظم تلك الدول كانت من عديد الدول الصاعدة emerging countries لولا الازمة الاقتصادية وخاصة الثورات العربية التي انعكست حكما على النشاط الاقتصادي. ومن طبيعة الدول الصاعدة انها قادرة على التطور والنمو بقدراتها الذاتية.

كل ذلك يدعو الى احراز نتائج سريعة للبرامج المعدة سواء بدعم اوروبي او مباشرة من الحكومة اللبنانية. وكي يتحقق ذلك يجب اعتبار الاولويات والتحقق من تأثير الاجراءات؛ وهذا بالطبع يحد من تعدد وحجم المشاريع لصالح فعاليتها. أن ادراج الادارة مليئة بالمشاريع التي لم تر طريقا للتنفيذ منذ سنين عديدة .

4 – تجاوب الادارة مع حاجات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

ان رغبة التجاوب مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اصبحت شأناً مسلم به في معظم الدول في العالم بعد اندلاع الازمة الاقتصادية عام 2008 وارتفاع البطالة الى مستويات غير معهودة.  وتعرف بالمؤسسات الصغيرة تلك التي لا يتعدى عدد العاملين فيها 49 أجيراً، ومنها المؤسسات الصغيرة جدا حيث يبلغ الحد الاقصى 9 اشخاص بما فيهم صاحب العمل وافراد عائلته؛ اما المؤسسات المتوسطة فهي تلك التي تستخدم عددا يتراوح بين 50 و249 أجيراً. والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشكل اكثر من 99% من المؤسسات وتساهم بحوالي 70% من اجمالي الناتج المحلي وتستخدم قرابة 80% من القوى العاملة.

ومع التطور التقني وانتشار المعلوماتية بلغ معظم النشاطات الاقتصادية ، خاصة في الدول الصناعية، طاقته الفضلى الناتجة عن اقتصاد الحجم في المؤسسات المتوسطة، وبالتالي لم تعد بحاجة الى العناية ذاتها التي تحتاجها المؤسسات الصغيرة. لذلك لم تعد تذكرها كثيرا السياسات  الاقتصادية  الهادفة الى دعم المؤسسات الصغيرة. وتشير بعض المقاربات الى ان 60%  من المؤسسات الصغيرة في لبنان تنشأ وتستمر في القطاع غير المعلن، وهذا يشكل منافسة غير مشروعة للمؤسسات النظامية ويحرم الدولة من مداخيل كبيرة.

وقد بينت الدراسات التي عرضها “منتدى البحوث الاقتصادية” في القاهرة، عام 2007، حول القدرة التنافسية للمؤسسات الصغيرة جدا انها عاجزة بالمطلق عن الاستمرار اذا اخضعت للموجبات الاجتماعية والضرائبية التي تخضع لها المؤسسات النظامية. وتبين على سبيل المثال ان الانتاجية في المؤسسات الخمسماية الاولى في تركيا هي ثلاثة اضعاف متوسط الانتاجية في المؤسسات الصغيرة جدا؛ كما تبين ان الوضع مشابه في المغرب ومصر ولبنان.

ان المحافظة على المؤسسات المكروية، وضمها الى القطاع المعلن، ضروري جدا ويفترض:

  • أ: اخذ الدولة على عاتقها الموجبات الاجتماعية للمؤسسات المكروية، كجزء بسيط من ضمان البطالة؛
  • ب: اخضاعها للضرائب المباشرة لاسيما على الربح الحقيقي او المقدر، ولكن اعفاءها من الضرائب غير المباشرة التي ترفع الكلفة؛
  • ج: مساعدتها في عملية التسويق والتصدير من خلال وكالات متخصصة فاعلة كتلك التي تعتمد عليها البلاد الاوروبية والاسيوية ؛
  • د: تأمين التمويل لها بشروط مقبولة توازي تلك التي تستفيد منها المؤسسات المنافسة الكبيرة؛ علما انه في ظل الانفتاح الاقتصادي لشروط التمويل وطأة باهظة على التجارة الخارجية وينبغي السعي الى تمويل كافة المؤسسات الانتاجية بالفوائد الحقيقية الرائجة عالميا؛
  • ه: تشجيع مراكز التدريب في شتى المجالات التقنية والادارية، وتوثيق العلاقة بين المعاهد ومؤسسات القطاع الخاص.

علما ان كل ذلك لا يرتب كلفة على الخزينة بل العكس هو الصحيح، ان انتقال عدد كبير من المؤسسات من القطاع غير المعلن الى القطاع النظامي يؤمن جزءا من الضرائب بدلا من انتفائها كليا؛ كما ان التعويض عن الموجبات الاجتماعية لا يتخطى جزءا بسيطا من التعويض عن البطالة للاجراء؛ وقد يجب تطبيق هذا النظام عاجلا ام آجلا للمحافظة على الطاقة البشرية.

5 – تمكين المؤسسات المتوسطة والصغيرة من المشاركة بالمناقصات العامة

كل المعطيات تشير الى ان المؤسسات الصغيرة عاجزة عن منافسة المؤسسات الكبيرة، وطنية كانت أم اجنبية، لاسباب عدة، اهمها:

  • ضعف الانتاجية في المؤسسات الصغيرة وخاصة الصغيرة جدا؛
  • صعوبة التمويل وتطبيق دفتر الشروط من حيث المهل وتأخير المدفوعات؛
  • مهل التسليم التي تحتاج الى طاقة انتاجية كبيرة؛

رغم ذلك اصرت ادارة المؤسسات الصغيرة الامريكية منذ الستينات على تأمين حصة من عطاءات الدولة الى المؤسسات الصغيرة. وهذا يفترض تخصيص كوتا او نسبة من السلع والخدمات للمنافسة بين المؤسسات الصغيرة وحدها. وهذا يتعارض بالمبدأ مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

وعهدت الدولة اللبنانية باعطاء الانتاج المحلي، الذي يحصل على شهادة منشأ لبنانية تفيد ان القيمة  المضافة تفوق 40% من اجمالي الكلفة على باب المصنع، افضلية قدرها 10% في المناقصات العامة. الا ان الادارة اللبنانية لا تفرق بين مصنع كبير وصغير؛ فالافضلية هي للانتاج الوطني؛ وهذا يتعارض ايضا مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

وبالطبع في ظروف الانفتاح، يصعب اعتماد تلك الاجراءات التي تعطي الاقضلية لفئة من المؤسسات وخاصة الى الانتاج المحلي، وبالتالي تهدد الفوائد الكثيرة التي يجنيها الاقتصاد من التداول العالمي. ولكن يجب الوعي، اولا، ان الامتناع عن الافضلية له كلفة كبيرة على صعيد الناتج المحلي والعمالة، وثانيا، ضرورة ايجاد الحل البديل الذي تقبل به منظمة التجارة. وقد خاض النقاش Maurice Allais حول استيراد البسة وامتعة الجيش الفرنسي من الخارج حيث قال في حينه “لا مصلحة بالاستيراد طالما ان فرق الاسعار لا يتعدى القيمة المضافة في البلد المستورد” – وعندما قيل له ان الاستيراد من البلاد النامية يشكل مساعدة غير مباشرة لهذه البلدان، ابدى اعتراضا شديدا عبر عنه بالقول “ان مساعدة البلاد الصناعية للبلاد النامية بهذا الشكل هي بالفعل مساعدة فقراء البلاد الصناعية الى اثرياء البلاد النامية”.

6 – حصول المؤسسات الصغيرة على تمويل مجدي

تواجه المؤسسات الصغيرة عوائق عديدة عند الحاجة الى تمويل نشاطها:

  • لا تمنح التسليفات للمؤسسات الصغيرة الا مقابل ضمانات عينية الامر الذي يحد من طاقة المؤسسات بالاستدانة؛
  • تمنح التسليفات للمؤسسات الصغيرة بفارق يتخطى ثلاثماية نقطة اساس بالنسبة للمنافسة المحلية واكثر بالنسبة للمنافسة الخارجية؛

ان المؤسسات المالية التي تسهل تمويل انتاج المؤسسات الصغيرة في اوروبا هي “مؤسسات ضمان التسليفات” التي تعمل على غرار مؤسسة كفالات، التي ادت فوائد جمة للمؤسسات الصغيرة في لبنان، ولكن طاقاتها محدودة لخدمتها كافة القطاعات وحاجتها الى الضمانات العينية والاتكال الكلي على مصرف لبنان للتعويض عن فرق الفوائد الميسرة.

وفي ايطاليا مثلا، نشأت “مؤسسات ضمان التسليف” في قطاعات الانتاج نفسها داخل الجمعيات والنقابات المهنية، واصبحت بحكم تخصصها ضليعة في النشاط الذي يقوم به اعضاؤها، تقدم لهم الارشادات والنصح فضلا عن ضمان ديونهم، ويعتبر المحللون ان لمؤسسات ضمان التسليف الفضل الاكبر بعولمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الستينات. وبات عددهم اليوم يفوق 800 مؤسسة، منها 50 مؤسسة يتخطى راسمالها المئة مليون يورو، يعتبرها المصرف المركزي مؤسسات مالية خاضعة للجنة الرقابة.

7 – الفرص المتاحة  للمؤسسات الصغيرة في سوق الاتحاد الاوروبي

يسعى الاتحاد الاوروبي الى رفع مستوى انتاج دول جنوب المتوسط بشكل منظم منذ توقيع اتفاق برشلونة عام 1995، كما يعتبرها جزءا من الكتلة الاقتصادية الاورومتوسطية التي يعتمد عليها الاتحاد الاوروبي على المدى البعيد لمواجهة الكتل العملاقة التي تتقاسم العالم. ونشأت رغبة المساعدة قبل تنفيد تلك السياسة اذ حصل المغفور له السفير كسروان لبكي في السبعينات على اعفاء كامل لمعظم الانتاج الصناعي اللبناني. وعندما تتلاقى الرغبة مع المصلحة كل شيء يصبح ممكنا بفضل التوجيه الصحيح . الا ان ذلك لم يحصل عمليا، ويعاني لبنان عجزاً كبيراً في تجارته الخارجية، خاصة مع الاتحاد الاوروبي الذي يحتل المرتبة الاولى بالاستيراد اللبناني.

رغم المساعدات الكبيرة التي حصل عليها لبنان من الاتحاد الاوروبي كما حصلت سائر دول جنوب المتوسط بغية تقليص التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين ضفتي البحر الابيض المتوسط، لقد اتسعت الهوة بين الضفتين، ومن الارجح ان السبب الاساسي هو في العجز التجاري المتعاظم بينهما. ويتسبب هذا العجز بنتائج سلبية عديدة على الاقتصاد، منها ضعف الاستثمار في قطاعات الانتاج، وارتفاع البطالة والهجرة، وتقهقر الناتج المحلي، وارتفاع كلفة الحياة كلما زال الانتاج المحلي من الاسواق في غياب اقتصاد الحجم. وقد سعى البنك الدولي منذ عدة سنوات لاقناع الدول صاحبة الفائض، ومن بينها عدد كبير من الدول الصناعية، الى العمل من اجل توازن الميزان التجاري. وفي الادبيات الاقتصادية الامريكية يضم الميزان التجاري تبادل السلع والخدمات. ولكن لحد علمنا لم يمتثل العديد من الدول الى تلك التوجيهات التي تهدف الى الاستقرار الاقتصادي والنمو؛  وبالعكس، فمن جهة دول شمال البحر الابيض المتوسط كثرت العوائق الفنية امام الاستيراد، ومن جهة دول الجنوب تراجع الانفتاح.

وبالنسبة للسوق الاوروبية بالذات، ان اهم العوائق التي تعاني منها دول الجنوب هي عدم اعتبار الخدمات ضمن اتفاق الشراكة، وكادت تصبح باهمية التبادل بالمواد والسلع. فاذا طبق الاتفاق على الخدمات، تخطو المنطقة خطوة كبيرة تجاه التوازن وانتعاش الاقتصاد في كافة البلدان؛ ويستفيد من ذلك على حد سواء دول الشمال والجنوب، وفقا للنظرية الثابتة اليوم والتي يعتمدها البنك الدولي “ان التوازن هو اكثر العوامل الاقتصادية فعالية، كل نظام فعال يتوق الى التوازن Kenneth Arrow ”  ويفيد اعفاء الخدمات على غرار السلع بشكل اساسي المؤسسات الصغيرة حيث عددها وطاقاتها اكثر بكثير في هذا المجال.

8 – الكفاءة التقنية والابداع  

تتطور التقنيات في اتجاهين؛ الاول في اتجاه تخفيض الكلفة بواسطة وسائل انتاج اكثر فعالية، والثاني في اتجاه النوعية. فالاول ينمي مباشرة القدرة التنافسية، ويؤمن للمنتج حصة اكبر من الاسواق المتاحة؛ والثاني يرتقب تغير الطلب الناتج عن ثراء المجتمع الحاصل في معظم انحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

ويحصل هذا التطور تلقائيا بالشركات الكبيرة القادرة على تخصيص جزء من ارباحها “للبحث والتطور”؛ ان هذا الامر هو في غاية الاهمية ولكن عدد الشركات الكبيرة محدود جدا، وعندما يصبح “البحث والتطور” بمتناول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تتضاعف اضعافا فرص النجاح. لذلك تسعى الدول الى تأهيل المؤسسات الصغيرة وزيادة كفاءتها الفنية وحثها على الابداع.

ويمارس لبنان جهدا خاصا في هذا المجال، اذ خصص مصرف لبنان مبلغ ستماية مليار ليرة لبنانية تسلف بفائدة رمزية لمؤسسات صغيرة مبدعة عن طريق المصارف التجارية. كما ان مؤسسة كفالات اعدت برنامجا خاصا يدعم المؤسسات المبدعة. وقامت مجموعة من الادارات العامة حضنتها غرفة التجارة بتطبيق برنامجا فرنسيا، مرشحا ليصبح يورومتوسطيا، يقضي بتمويل “البحث والتطور” في المؤسسات الصغيرة . ويمنح البرنامج الاساسي مبلغ 50 الف يورو هبة للمؤسسة التي تحقق ابتكارا وفقا للمعايير الاوروبية، وتنفذه بالشراكة مع مؤسسات رديفة في بلدين احدهما على الاقل في الضفة الجنوبية والثاني في الضفة الشمالية من البحر المتوسط. على مستوى التطبيق في لبنان، اعتبر مجلس الامناء الذي يدير هذا الصندوق ان التعاون مع بلد واحد في البحر المتوسط، يكفي بهذه المرحلة لان الهدف المباشر هو دعم التجارة البينية، خاصة بين دول الجنوب. كما ان كل تحديث ملحوظ بالانتاج و/او الادارة يعتبر “ابتكارا” من حيث الحاجة الى تطوير المؤسسات وتحسين انتاجيتها.

9 – تشجيع النمو المحافظ للبيئة           

لا يختلف اثنان على ضرورة استعمال الطاقة البديلة، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، والمحافظة بشكل عام على البيئة. الا انه على المدى القصير ليس من السهل تنفيذ سياسة مفيدة للبيئة عندما نعلم ان كثافة استعمال الطاقة هو مؤشر النمو الاقتصادي. لقد رفضت الولايات المتحدة توقيع اتفاق كيوتو المحد للانبعاثات الغازية حيث لم تتمكن صناعاتها من استعمال الطاقة البديلة بشكل يؤمن استقرار الانتاج والاسعار. وتزداد  الصعوبة  في ظروف الازمات المستعصية كالتي نعيشها اليوم؛ لذلك ينبغي ان تأخذ الاقتراحات بعين الاعتبار الحاجات  الآنية الى جانب ضرورة المحافظة على البيئة على المدى المنظور.

اولا: ان لم يكن من الممكن وقف انبعاثات الكاربون، فمن الضروري الحد منها الى ما هو حيوي ولا بديل عنه لسد حاجات الانتاج الوسيط والاستهلاك. واذ لم يجد المرء شيئا انسب من العملة لتحديد اولويات الاستهلاك، نرى من المفيد تكليف الصناعات المسببة للانبعاثات الغازية بضريبة تزداد مع الزمن Pay as you pollute، سواء لتحفيز الطاقة البديلة و/او توجيه الاستهلاك نحو سلع “صديقة” للبيئة.

ثانيا: انه لشيء غريب ان كلفة النفط الذي يحتاج الى عشرات ملايين السنين كي يتكون هي اقل من الطاقة المائية والطاقة الشمسية والهوائية التي كلها تتجدد وتنحصر كلفتها بالطرق الفنية لاستخدامها. وفضلا عن ذلك يمكن اعتبار ان تدهور طبقة الاوزون ذات نتائج على الانسان اخطر من الطاقة النووية. والجدير بالذكر ان المعادلة التي تتبعها الدول والشركات المستخرجة للنفط كانت تقضي اكتشاف مخزون جديد يوازي الاستهلاك السنوي؛ فهذه المعادلة انتهت منذ سنوات عديدة وبات استهلاك النفط اضعاف المخزون المستجد كل سنة. وهذا يؤدي الى نتيجة واحدة وهي ضرورة مضاعفة النشاط في مجال البحث عن الطاقة البديلة.

10 – نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة 

ان المؤسسات الصغيرة، التي تشغل اقل من 50 أجيراً، وبما فيها  المؤسسات الصغيرة جدا، التي تضم اقل من 10 اجراء ومن بينهم صاحب المشروع وافراد عائلته، تفتقر عامة الى الانتاجية ولا تؤمن قدرتها التنافسية في الاسواق الا بالتهرب من دفع الضرائب والموجبات الاجتماعية، وهذا مؤسف ويولد منافسة غير مشروعة، ويحرم الدولة جزءاً من عائداتها.

وتنقسم المؤسسات المتوسطة الى فريقين. فهنالك مؤسسات تقليدية تفتقر الى الانتاجية وليس بامكانها المنافسة بوضعها الحالي، ونراها دائماً تسعى الى الحماية والتسليف الميسر والمساعدات الفنية ؛ كما هنالك مؤسسات متوسطة الحجم بلغت “طاقتها الفضلى” بفضل ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وحققت القدرة الانتاجية الكاملة التي قد يعطيها اقتصاد الحجم. ان هذه المؤسسات قادرة على التطور بقدرتها الذاتية وليست بحاجة الى اكثر من مناخ استثمار يجنبها العراقيل الادارية. ويشبه وضعها المؤسسات الكبيرة تماما.

ان المؤسسات المتوسطة ، التي تفتقر الى الانتاجية الكافية، هي بحكم المؤسسات الصغيرة والصغيرة جدا، لا يفيدها شيئا على المدى الطويل ان لم تتحسن فيها الطاقة الانتاجية. وهكذا نرى مع الاسف ان في تلك الظروف تذهب نفقات التدريب والتمويل والتسويق سدى؛ وبالتالي ان الحل الوحيد للمؤسسات الصغيرة وبعض المؤسسات المتوسطة هو بدمجها ومساعدتها على بلوغ الحجم الذي يؤمن لها الطاقة الانتاجية الفضلى.

 

الطاقة البشرية العاملة في قطاع الانتاج

اكثر من 70 % من العمل المأجور في القطاع الخاص تؤمنه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ وهذه الظاهرة معروفة في كافة البلدان التي تعتمد على اقتصاد السوق حيث يتراوح عدد العاملين فيها  بين 70% و80% من مجموع العاملين في قطاع الانتاج.

توزيع القوى العاملة وفقا لحجم المؤسسة

تحدد الفئة، التي تنتمي اليها المؤسسة، عوامل تتفاعل مع بعضها البعض من حيث الروابط العضوية القائمة بينها، وقد جرت العادة بالتعبير عنها من خلال عدد الاجراء النظري الذي يتناسب مع المعطيات المتوفرة. واهم هذه العوامل:

  • عدد الاجراء الفعلي؛
  • مجموع الرواتب والاجور التي تعبر عن كفاءة الاجراء؛
  • الراسمال الفعلي للمؤسسة؛
  • رقم المبيعات و/او الربح الصافي الناتج عنها؛
  • القيمة المضافة.

ويشكل عدد الاجراء في المؤسسات الاقتصادية من مختلف الفئات المعلنة وغير المعلنة حوالي 60% من مجموع القوى العاملة؛ وتتوزع سائر القوى بين القطاع العام، والمهن الحرة

توزيع القوى العاملة في  القطاعات الانتاجية

يشكل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المرجع الرئيسي في تحديد العمالة. ان عدد كافة المضمونين المسجلين في الصندوق بلغ 593805 في نهاية عام 2012 وهذا يضم اللبنانيين 560239 وغير اللبنانيين المسجلين 33070 – من بينهم 462529 اجراء تابعين لمؤسسة لها صاحب عمل، والباقي ادخلوا بموجب قانون خاص.

هذا لا يعني طبعا ان كل المسجلين يدفعون اشتراكاتهم ويستفيدون من الضمان. لا شك في ان عددا كبيرا من بينهم قد ترك الخدمة او هاجر من البلد ولم يصرح عن الترك لسبب ما. كما ان نسبة المؤسسات غير المعلنة تفوق 20% من المؤسسات العاملة في الاسواق اللبنانية و تشغل نسبة موازية من اليد العاملة .

والجدير بالذكر ان المؤسسات المكروية، المعلنة وغير المعلنة، تشغل اكثر من 40 % من اليد العاملة، وتولد فورا عندما ترى فرصاً لذلك وتسهم بالحد من البطالة والهجرة. الا انه من المعروف ان قدرتها على الاستمرار محدودة، وتحتاج الى سياسة خاصة لدعم نشاطها وتأمين استمرارها، وهذا ضروري جدا في ظروف الازمات

توزيع القوى العاملة بين مختلف القطاعات

ان الاحصاءات الرسمية لا تزال تعلن نسبا متدنية للبطالة (بين 8.5% و11.0%) وتتجاهل الشباب، خاصة الحائزين على شهادات اكاديمية او مهنية، الذين لا يدخلون بعد سوق العمل مهما طالت بطالتهم، كما تتجاهل الذين هاجروا لعدم توفر فرص عمل لهم، هذه الارقام لا تنطبق مع واقع البطالة الذي بات يعتبره االرأي العام المسؤول بحدود 20 %

وما هو اخطر من ذلك، ضعف نسبة القوى العاملة من عدد السكان في سن العمل حيث يبلغ حوالي 45 % في الوقت الذي يرتفع فيه في الدول الاوروبية الى متوسط 65 % والهدف عندهم هو الوصول الى 70 % وفقا “لاستراتيجية ليشبونا عام 2001” .

وقد يبدو حجم القطاع العام مرتفعا نسبة للطاقة البشرية العاملة فعلا في البلاد، ودون التطرق الى انتاجيتها، اي ما يعادل 23% من مجموع العاملين.

الطاقة البشرية المتوفرة للعمل

الجدير بالذكر ان المشكلة الاساسية تبرز في ضعف القوى العاملة، وهذا يأتي بالطبع من عوامل اهمها:

  • ارتفاع البطالة في البلاد، الامر الذي لا يشجع بعض فئات المواطنين من البحث عن عمل؛
  • النسبة المنخفضة لدخول المرأة الى سوق العمل؛
  • الهجرة الكثيفة بحثا عن ظروف انسب؛
  • غياب نظام تأمين البطالة الذي يساعد الاجير على انتظار فرصة عمل؛
  • نسبة الرواتب والاجور الى كلفة المعيشة. بلغ متوسط الاجر في نهاية عام 2013 مليون وسبعماية الف ليرة لبنانية.

ان عدد السكان المذكور في لبنان يتضمن الاجانب غير الفلسطينيين في المخيمات والنازحين السوريين.

ومن الاهداف المرحلية التي ينبغي تحديدها في “سياسة دعم المؤسسات الصغيرة” رفع نسبة القوى العاملة الى حد ادنى 60 % من شريحة السكان في سن العمل، وضبط البطالة فعلا في حدود 8% اي ما يجعل القوى العاملة حوالي 1500000 نسمة اي بمعدل 50% زيادة عن الواقع الحالي.

 

استراتيجية التنمية الشاملة

تفرض سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التوجه الى كافة القطاعات في كافة المناطق، وتحسين مناخ الاستثمار فيها، وترك للسوق اختيار النشاطات الفعالة للسوق، ومساندة النشاطات المهددة ظرفيا بالانهيار، وايجاد لها الحلول التي تخدم الاقتصاد الوطني واصحاب الحقوق، ويتم ذلك عبر سلسلة من الاجراءات تتفاعل مع بعضها البعض لبلوغ الهدف المنشود.

المحافظة على النوعية وتشجيع الابتكار

يتميز لبنان بمستوى علمي رفيع ويد عاملة فنية ماهرة، ويستقطب الطلاب من كافة البلاد العربية، كما يساهم اللبنانيون باهم ورش البناء في الخليج ويحتلون وظائف عالية في المؤسسات التجارية؛ ومن الضروري المحافظة على هذا المستوى ليحافظ لبنان على اسواقه الخارجية وعلى مستوى معيشة ابنائه في الداخل. وتثبيتا لذلك لقد شهدنا في السنوات الاخيرة نموا مضطرداً لصناعة شهادات الامتياز يقدره اصحاب الاختصاص ب20% في الوقت الذي تتراجع فيه معظم النشاطات الاقتصادية.

ويحتل الابتكار مكانة خاصة اذ يحسن من جهة الانتاجية بايجاد وسائل انتاج اكثر فعالية، ومن جهة ثانية يستقطب الطلب بعرض سلع وخدمات تتميز عن المنافسة وتؤدي الى نجاح المؤسسة. وقد انشأ مصرف لبنان صندوقاً خاصاً لدعم الابتكار يمنح المؤسسة الصغيرة والمتوسطة قرضا بفائدة رمزية لتمويل المشاريع المبتكرة، ووضعت مؤسسة كفالات برنامجا خاصا لتمويل المؤسسات المبدعة.

هذا جيد دون شك ولكن لا يكفي، لان الابتكار في معظم الحالات ينتج عن البحث والتطوير، حيث النجاح غير مضمون. لذا تأبى المؤسسات الاستدانة لهذا الغرض حتى بفائدة رمزية. لـــذلك اوجدت الادارة الفرنسية صندوقا لتمويل الابتكار “فارو – FARO “[1] تمنح المؤسسات صاحبة المشاريع الابتكارية منحة خمسين الف يورو للبحث وتطوير الفكرة القائم عليها المشروع. والفارو مؤهل ليصبح برنامجا متوسطيا يتواجد في كافة البلدان المشاركة بادارة الاتحاد من اجل المتوسط. وفي لبنان نشأت هيئة مماثلة بين عدة مؤسسات رسمية وادارة غرفة التجارة في بيروت وجبل لبنان الا انها لم تحصل على التزام بتجديد الاموال دوريا، الامر الذي ارغمها على منح القروض الميسرة بدلا من الهبات.

لا احد يجهل دور الابتكار في النمو والتقدم الاقتصادي، وهذا يتم بمعظمه عبر الشركات القادرة على تخصيص جزء من مبيعاتها او من ارباحها للبحث والتطوير، وهذا ينحصر حكما بالشركات الكبيرة صاحبة الامكانات. اما اذا تمكنت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الحصول على اموال تنفق في هذا المجال، سوف تتضاعف اضعافا طاقة البلاد بالخلق والابداع والتقدم التقني واستثمار براءات الاختراع والدخول فعلا الى عالم اقتصاد المعرفة.

السياسات الحاضنة

لقد تخطى الاقتصاد اللبناني مستوى المنافسة بالاسعار في كافة المجالات مسحوبا الى ارتفاع من قبل القطاعات الناجحة لا سيما القطاعات المالية والسياحية (باستثناء الظروف الراهنة) والخدماتية وبعض النشاطات الصناعية التي تعبر عنها شهادات الامتياز. الا ان طاقة التشغيل لتلك القطاعات لا سيما في اقتصاد بمستوى الاقتصاد اللبناني هي اقل بكثير من طاقة قطاعات الصناعة والزراعة، وخاصة قطاع تصنيع المواد الزراعية والتي باتت ذات انتاجية منخفضة لانها تستخدم يد عاملة كثيفة وتواجه اكلافاً مرتفعة نسبياً، خاصة للطاقة، وفوائد تشغيلية حقيقية فوق مستوى المنافسة العالمية.

وهذا الواقع يدعو الى تصويب ما امكن من السياسات الاقتصادية القائمة، والالتحاق بالتقدم التقني، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لديها المرونة الكافية للالتحاق بعالم التكنولوجيا اذا ما اتيحت لها امكانات البحث والتطوير. ان مشاريع التسليف الميسر من قبل مصرف لبنان ومؤسسة كفالات ومشروع الفارو تدخل في هذا الاطار، وان لم تكن كافية؛ في الوقت الذي فيه يطال التمويل الميسر للسكن والمواد الاستهلاكية المعمرة، الطلب الكلي.

وهكذا نرى ان هنالك اجراءات جيدة وتبدو ضرورية بمفردها، الا ان تأثيرها على الوضع الاقتصادي العام يختلف باختلاف تأثيرها على بعضها البعض ونفوذها الى الاسواق. ان بعض المبادرات لها تأثير مضاعف على غيرها، فاذا اخذت طابع الاولوية تحققت النتائج المجدية بالسرعة الكافية لمواجهة الاثار السلبية للدورة الاقتصادية، خاصة في ظروف الازمات. وهذا ما لم يحصل يوما بالادارة اللبنانية، كما لم يحصل بالعلاقة مع الاتحاد الاوروبي منذ عام 1995، وحتى بعد توقيع اتفاق الشراكة ، في البرامج الهادفة الى تطوير مناخ الاعمال في لبنان. ان تقدير افادة واهمية المبادرات وخاصة تحديد الاولويات فيما بينها علم قائم بذاته   Regulatory Impact Assessment  لم يؤخذ يوما على محمل الجد في لبنان.

الاهداف الاستراتيجية

ان تحليل الاهداف الثلاثة التي اعتمدت في التجربة الاوروبية  لا سيما، “تسهيل المعاملات الادارية” و”تسهيل حصول المؤسسة على التمويل” و”المساهمة في عولمة المؤسسة”، من اجل دعم المؤسسات الصغيرة، يشير الى ضرورة تكييف تلك الاهداف مع الواقع اللبناني.

ان سياسة دعم المؤسسات الصغيرة في اوروبا تتناول ايضا المؤسسات المتوسطة، اي كافة المؤسسىات التي تشغل ما دون 250 اجيرا ، وهذا يحجب الاولوية عن المؤسسات المكروية ويدعو الى التحفظ في الاقتصاد اللبناني، حيث ضعف نسبة “القوى العاملة” الى السكان في سن العمل هي المشكلة الاساسية في انخفاض الناتج المحلي وارتفاع حزام الفقر حول المدن.

وعلى سبيل المثال ان تسهيل تمويل المؤسسة المكروية لا يفيد الا اذا تمكنت اولا من التوسع بامكاناتها الذاتية و/او تسعى الى التوسع عن طريق الدمج لبلوغ حجم المؤسسة القادرة على الانتاج بالطاقة الفضلى.

وبالتالي نرى اعتماد الاهداف التالية بمثابة معايير لتحديد الاجراءات التي يصح اتخاذها في سياسة دعم المؤسسات الصغيرة:

تسهيل المعاملات الادارية

هذا الهدف جزء اساسي من تحسين بيئة الاستثمار، الا انه اكثر ضرورة للمؤسسات الصغيرة التي لا تستطيع مواجهة البيروقراطية المعقدة التي تتصف بها الادارة اللبنانية. والجدير بالذكر انه من اصل 5 مؤسسات تنشأ حديثا، تستمر فقط واحدة بعد 5 سنوات. ان فتح المؤسسات واققالها واجراء معاملات الاستيراد والتصدير والضمان الاجتماعي وغيرها، يمكن ان تكون اسهل بكثير مقارنة بسائر البلدان التي حققت التطور اللازم في هذا المجال الاداري.

تصويب الاكلاف الخارجية

ان المؤسسة الصغيرة تعاني حكما من ضعف في الانتاجية من جراء عدم الحصول على وفورات الحجم، وهذا يقضي تصويب اكلافها قبل مدها بالتسليف الميسر، والا التهمته الخسارة وهدرت الضمانات. لذلك ان استمرار المؤسسة الصغيرة هو منوط بقدرتها على ضبط الاكلاف. وهنا يبدو الدور الناظم للادارة في انطلاق المؤسسة واستقرار نشاطها حتى تصل الى شاطئ الامان عبر النمو بالقدرة الذاتية و/او بالدمج مع مؤسسات مشابهة و/او مكملة.

مساعدة المؤسسة في التسويق والتصدير

بمجرد انفتاح الاسواق، اصبحت المؤسسة عرضة للمنافسة العالمية، وتعلو مطالبة المزارعين والصناعيين بالحماية، فكيف بالحري المؤسسات الصغيرة والناشئة ! لذلك من اجل المحافظة على الانفتاح وفوائده وتجنب الاضرار الجسيمة التي يمكن ان تحل بالقطاعات الانتاجية، وخاصة المؤسسات الصغيرة، تلجأ الدول الى اجراءات مساندة . على سبيل المثال انشأت كافة الدول الاوروبية مؤسسات متخصصة بالتصدير؛ كما انشأت مؤسسات لضمان الصادرات.

والهدف السامي بهذا المجال هو بتعادل ميزان التجارة والخدمات، الامر الذي يفيد ان البلاد هي قادرة على النمو وخلق فرص عمل. وهذه توصية البنك الدولي منذ سنوات.

برنامج تطبيق سياسة دعم المؤسسات الصغيرة

نرى الى حد بعيد ان النظام المطبق في الاتحاد الاوروبي حكيماً من حيث تغطية المجالات التي تحتاجها المؤسسة وخاصة التراتب بالمبادرات حيث تحتل الاجراءات الاكثر تأثيرا على بعضها البعض مرتبة اكثر تقدما:

  • انشاء المؤسسات

اعتماد شباك واحد لتسجيل المؤسسات الفردية والشركات، ويمكن ان تقوم بهذا المهام غرف التجارة والصناعة والزراعة في بيروت والمناطق؛

  • اقفال المؤسسات

اعفاء المؤسسة من ضريبة التحسين على الموجودات غير المادية عند بيع المؤسسة و/او اجراء عملية دمج مع مؤسسة و/او عدة مؤسسات، سواء استمرت الادارة او لم تستمر؛

  • الحد من البيروقراطية الادارية

في كافة المجالات بالغاء المعاملات المكررة اوغير الضرورية واعتماد شباك واحد في كافة المجالات؛

كما تعميم اللجوء الى الانترنت لاتمام كل انواع المعاملات الادارية؛ وتشريع التوقيع الالكتروني؛

  • تصويب الاعباء للتعويض عن ضعف انتاجية المؤسسة المكروية، على ان تتحمل الدولة جزءاً او كل الاعباء الاجتماعية التي تخضع لها المؤسسة المكروية مقابل دخولها في القطاع الرسمي؛
  • المناقصات العامة

تحديد حصة من المناقصات العامة التي تتناول سلعاً يمكن انتاجها في لبنان، استناداً الى شهادة وزارة الصناعة اذا اقتضى الامر، للمؤسسات التي تشغل اقل من خمسين اجيرا، سواء  منهم الملتزم من مصنعه او عبر التعاقد بالباطن مع مؤسسات قابلة للاستفادة. وهذا الاجراء في غاية الاهمية وقد اتخذ في الولايات المتحدة منذ عام 1954

  • تمويل المؤسسة

المطلوب هو مساعدة المؤسسة على الحصول على تمويل تجاري بالفوائد الرائجة في الدول الاكثر تعاملاً في التجارة مع لبنان. وكانت هذه المبادرة الاجراء الاول الذي اتخذته الولايات المتحدة عند انشاء المؤسسة الناجمة عن Small Business Act عام 1953 ؛

ان تشجيع الدولة لانشاء صناديق ضمان التسليفات Credit Guarantee Fund واحداث منافسة حقيقية بينها، يوفر على الدولة عناء التدخل في هذا المجال وتحمل اعباء قد يعفيها السوق منها؛

  • التركيز على الاسواق الاوروبية

حيث أن المشروع الحالي ينطوي على وعد من الاتحاد الاوروبي بتشجيع الاستيراد من دول جنوب المتوسط؛ وهذا يفترض تخفيف العراقيل الفنية للتجارة Technical Barriers to Trade و/او تسهيل شروط الاعتماد ومنح الشهادات من قبل عدد كاف من المختبرات المحلية؛ ومن اجل ذلك تكليف جهاز دائم للمتابعة  ومراقبة النتائج؛

كما ينبغي اعفاء الخدمات بما فيها الاعمال الفنية والتقنية والمعلوماتية وكافة النشاطات الفكرية من الرسوم. لقد اعفى اتفاق الشراكة السلع من الرسوم واستثنى الخدمات التي لم يكن لها حجم هام في حينه؛ الا انها اصبحت اليوم باهمية السلع اذا ماتسنت لها الفرصة السانحة. وهذا الامر في غاية الضرورة لتخفيف العجز التجاري مع الاتحاد الاوروبي؛

  • تشجيع الكفاءة الفنية والابداع

يتميز الفارو FARO “صندوق اطلاق تحقيق وتوجيه المؤسسة المبدعة”  بالتحكم باسس “البحث والتطوير” لتحقيق عولمة المؤسسة عن طريق التقدم التكنولوجي والابداع؛ ان تمويل هذا الجهاز يضاعف طاقات المؤسسات الصغيرة في مجال البحث والتطوير.

 

وهكذا نرى كيف تتفاعل المعادلة الهادفة الى دعم المؤسسات الصغيرة بناء على اجراءات منطقية وتراكمية :

اولا:    في تسهيل انشاء وتطوير المؤسسة والحد من العراقيل الادارية التي تواجهها؛

ثانيا:    تصويب الاكلاف وايجاد اسواق للانطلاق والحد من المنافسة غير المشروعة؛

ثالثا:    بعد تحقيق الجدوى، اللجوء الى التمويل الميسر وعولمة المؤسسة؛

رابعا:   اعتماد آلية التطوير التقني التي تعوض عن ارتفاع الاكلاف؛

خامسا: تتطور المؤسسة بشكل طبيعى لتبلغ الطاقة الانتاجية الفضلى عبر النمو الذاتي و/او الدمج.

للاطلاع على محور “سياسة تشجيع المؤسسات الصغيرة” كما ورد في كتاب نهوض لبنان، اضغط Ch09-v5 تشحيع المؤسسات الصغيرة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى