بين الإنسانية وواقع السلاح: الحماية أولوية البلديات (نداء الوطن ٤ اذار )

لم تتوقع المجالس البلدية اللبنانية، بعد انتخاباتها الأخيرة العام الماضي، أن تكون الحرب مجدّدًا، وصدمة النزوح الثانية الناتجة عنها، أوّل استحقاق تخوضه في سنتها المالية الأولى.
فمنذ الاثنين، شهدت معظم المناطق اللبنانية الآمنة، تدفقًا جديدًا للهاربين من بيئاتهم الواقعة تحت مرمى الطيران الإسرائيلي. وبين “واجب الإيواء” وضغط الرأي العام المحلّي، وجدت البلديات نفسها مضطرّة للتعامل مع واقع دقيق، حضرت معه كلّ الهواجس الأمنية والسياسية والاجتماعية التي رافقت تجربة النزوح السابقة، وتبعتها. ليصبح السؤال الأبرز عند البلديات أمام ما فرض عليها من أمر واقع متجدّد: كيف يمكن استقبال النازحين من دون أن تتحوّل مناطق الإيواء إلى بيئة مستهدفة؟
سقوط مفهوم “المناطق الآمنة” الجغرافي
منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان، إثر تورّط “حزب اللّه” في “مشاغلة” إسرائيل عن حرب غزة، تبدّل تعريف “المناطق الآمنة” في الوعي اللبناني. لم يعد جنوب الليطاني وحده مصدر القلق، ولا الضاحية الجنوبية وحدها في مرمى النار. بل بات تواجد أي “قيادي” أو حتى عنصر حزبي، كافيًا لتحويل أي حي أو بلدة إلى هدف محتمل. وهكذا سقط المفهوم الجغرافي للأمان، ليحلّ مكانه المفهوم المرتبط أولًا بالهوية والانتماء.
لا يريد اللبنانيون أن تتحوّل بلداتهم كلّها إلى ما يشبه ضاحية بيروت الجنوبية. وإذا كانت المفارقة هناك أن أهل الضاحية أنفسهم لم يكونوا مدركين حجم الخطر الذي يحتضنونه في وسطهم، فتجربتهم علّمت باقي اللبنانيين، وكانت درسًا قاسيًا زرع شكًا مشروعًا في كلّ بلدة آمنة.
أمن البلدات فوق كلّ اعتبار
انطلاقًا من هنا، جاءت بيانات “تنظيم التأجير” للنازحين التي صدرت الإثنين الماضي عن مختلف البلديات التي فتحت مراكز الإيواء للنازحين من القرى “المستهدفة” مبرّرة. وهي على ما تبيّن لم تأت من فراغ. بل ترجمت إصرار البلديات على تحديد هوية كلّ من يدخل نطاقها، “ليس للمنع، بل للمتابعة”. والتوجّه على ما بدا، بني على الخبرة التي اكتسبتها بعض المجالس ورؤسائها من ولاية سابقة، أو راكمتها تجارب من سبقوها في المسؤولية.
كانت بلدية بكفيا سبّاقة في إصدار بيانها الذي منع تأجير أو إيواء أيّ شخص، ولو على سبيل التسامح أو بسبب روابط عائلية أو صداقة شخصية، قبل إبلاغ البلدية والحصول على موافقتها المسبقة. مؤكدة أن “أمن بلدتنا فوق كلّ اعتبار، ولا تهاون أو استسهال في هذه الظروف”.
منع وإقصاء أم دفاع مدني؟
ولم تكن بكفيا وحدها، بل كرّت السبحة لاحقًا مع بلديات حملايا، زحلة، القاع، سن الفيل، الفنار، جعيتا، صيدا، قب الياس، مدوخا، المتين وغيرها الكثير من البلديات التي أصدرت بيانات مشابهة في المضمون، تؤكد استعدادها لاستقبال النازحين، لكنها تربط ذلك بإجراءات تنظيمية. ومع ذلك، سارع البعض إلى توصيف هذه الإجراءات بـ “المنع والإقصاء”.
هذه “التأويلات المغلوطة” كما سمّتها بلدية بكفيا جعلتها تؤكد التزامها الكامل “بالواجب الإنساني والوطني في استقبال الإخوة النازحين”. ولكنها أوضحت “أن التجارب السابقة أظهرت ضرورة تنظيم عمليات التأجير والإيواء، تفاديًا للعشوائية، وحفاظًا على سلامة جميع المقيمين في البلدة، سواء من أهلها أو الوافدين إليها”. فماذا في هذه التجارب السابقة؟
جرح “أيتو” و “برجا” لم يندمل بعد
تتحدّث أوساط بلدية بكفيا عن تجربتها باستضافة قياديّ في “حزب اللّه” فقالت إنها تفاجأت لاحقًا بهويته “التنظيمية”، الأمر الذي عزز شعورها بضرورة التدقيق في مرحلة النزوح الحالية.
وأمّا بالنسبة لمعظم اللبنانيين، فما زالت الذاكرة حيّة حول الغارة الإسرائيلية التي استهدفت منزلًا سكنيًا في بلدة “أيتو” الزغرتاوية ذات الغالبية السكانية المسيحية. وهي الحادثة التي كسرت فكرة الملاذ الآمن “الجغرافي” للبنانيين، وبيّنت بشكل واضح بأن لا جغرافيا محصّنة إذا وُجد شخص مستهدف.
ولمن خانتهم الذاكرة، فإن “أيتو” تحوّلت عنوانًا لمجزرة إنسانية ارتكبت في 14 تشرين الأول من العام 2024، بحق عائلات كانت قد نزحت من مناطق أخرى، عندما شنت الطائرات الإسرائيلية غارة جوية على مبنى سكني، بذريعة استهداف المدعو أحمد فقيه، الذي جرى التعريف عنه لاحقًا كشخصية قيادية في “حزب اللّه” وكان في زيارة لأحد أقربائه بالمبنى. وقد نتج عن الغارة حينها مقتل نحو 21 شخصًا بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين.
ثمة حادثة أخرى لا يزال يذكرها أبناء منطقة إقليم الخروب، ولا سيّما بلدة برجا، عندما سقط نحو 15 قتيلًا من جرّاء غارة إسرائيلية، اعتُبرت حينها مؤشرًا على أن التطوّرات العسكرية لم تعد محصورة في الحدود الجنوبية أو المناطق ذات النشاط العسكري الواضح لـ “حزب الله”، وأن أي منطقة قد تتحوّل إلى ساحة مفتوحة إذا استضافت من تعتبره إسرائيل هدفًا.
التضامن… لا التحوّل منصات حربية
“لسنا في مواجهة أهلنا، بل في مواجهة خطر قد يُفرض علينا من خارج إرادتنا”. هذا هو لسان حال معظم البلديات التي آوت النازحين في اليومين الماضيين. ويضيف: “بدلًا من أن تُسأل البلديات لماذا تحاول أن تنظم عملية النزوح؟ يجب أن يُسأل من ينتقدونها، لماذا وصلت إلى مرحلة تشعر فيها أنه عليها الحذر؟”.
ومع ذلك، فإن حساسية الواقع الطائفي والسياسي، تضع أي إجراء إداري فيها في مرمى الانتقادات والتأويلات. وهذا ما تبيّن مؤخرًا في تجربة بلدة دير الأحمر تحديدًا، حيث حاول البعض شيطنة الخطوات السريعة التي اتخذتها بلديتها في بداية موجة النزوح يوم الإثنين، من خلال فرض قوانين حماية مجتمعها على النازحين إليها. بينما شكّلت مبادرة البلدية وفقًا لأوساطها “محاولة دفاع مدني بحدّه الأدنى”، وبقيت دير الأحمر من بين أولى البلدات التي استقبلت العدد الأكبر من النازحين حتى الآن، تمامًا كما كان عليه الحال في العام 2024. ليشكّل ذلك وفقًا لمصدر في البلدة، “دليلًا واضحًا على أن التضامن مع أهالي بعلبك لا يتناقض مع رفض تحويل البلدات إلى منصات حربية أو ملاذات لشخصيات مستهدفة”.
ثمن قرار لم يتخذه اللبنانيون
في المحصّلة، فإن البلديات هي من تتلقى الصدمة الأولى للنزوح في كلّ مرة، وهي من تتحمّل تبعات أي استهداف محتمل. وبين إنسانية الإيواء وهاجس الأمن، تبدو كمن يسير على خط رفيع، يحاول الحفاظ على التوازن، تجنبًا لأي انزلاق في تجارب تهدّد السلم الأهلي.
ولكن الحقيقة الأعمق هي أن البلديات ليست سوى متلقية لنتائج حرب لم يخترها معظم اللبنانيين، ولا كانت خيار سلطتها الشرعية. فثمة “ميليشيا” تورّطت في حروب الآخرين، وورّطت معها الجميع، ولم يعد بيد الدولة ومؤسساتها، ومن ضمنها البلديات، سوى تدبّر النتائج، والحفاظ على ما تبقى من أمن مجتمعاتها.



