أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

مؤتمر دعم الجيش… بين الرواتب والسلاح ورسائل السيادة (النهار ٢٧ شباط )

يتجاوز مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي تستضيفه باريس في الخامس من آذار المقبل أبعاده التقنية والمالية، ليحمل دلالاتٍ سياسية عميقة تتصل بمستقبل الاستقرار في لبنان ودور الدولة في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية. الدعوة الفرنسية إلى اجتماع يضم نحو خمسين دولةً ومنظمة لا تأتي من باب التضامن المعنوي فحسب، بل من إدراك دولي أنّ المؤسسة العسكرية تبقى العمود الفقري للدولة اللبنانية في ظل الانهيار المالي والشلل المؤسساتي وتفاقم التحديات الأمنية.

وفي هذا السياق، لا تنحصر مطالب الجيش بسلاح نوعي أو تطويع جديد أو زيادة رواتب بمعزل عن سواها، بل تتوزع على سلّة متكاملة عنوانها تثبيت المؤسسة ومنع اهتزازها.

القيادة العسكرية تركّز في مقاربتها على ثلاثة مستويات مترابطة: أولاً تأمين الاستمرارية التشغيلية، وثانياً تحسين القدرة اللوجستية والتقنية، وثالثاً تثبيت الوضع المعيشي للعسكريين. فمنذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019 تراجعت القيمة الفعلية لرواتب الضباط والعسكريين بفعل انهيار الليرة، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. فبعدما كان راتب العسكري قبل الأزمة يوازي ما بين 800 و1200 دولار وفق الرتبة، تراجع فعلياً إلى ما دون 100 دولار في ذروة الانهيار، قبل أن تعمد الحكومة إلى اعتماد زيادات ومساعدات موقتة وبدلات نقل ومنح اجتماعية لتحسين الدخل.

اليوم يراوح الدخل الفعلي للعسكري بين ما يعادل 250 و400 دولار تقريباً تبعاً للرتبة والبدلات، وهو مستوى دون الحد الكافي قياساً بارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة، ما يجعل بند الرواتب في صلب أيّ دعم مالي مرتقب.

غير أن مسألة الرواتب ليست منفصلة عن التشغيل. فالجيش يحتاج إلى تمويل مستدام لتغطية المحروقات وصيانة الآليات وشراء قطع الغيار وتأمين التغذية والطبابة والذخيرة الأساسية. وقد أدى شحّ الموارد في السنوات الماضية إلى اعتماد متزايد على الهبات العينية من دول مانحة لتأمين الوقود والمواد الغذائية والمساعدات الطبية. لذلك يهدف المؤتمر إلى تثبيت آلية دعم مالي مباشر أو غير مباشر يسمح بضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي للمؤسسة، لأن أي اهتزاز داخلي في صفوفها ستكون له انعكاسات أمنية خطيرة.

أما في ما خص التسليح، فالمقاربة الدولية لا تتجه نحو تزويد الجيش أسلحة استراتيجية ثقيلة بقدر ما تركز على تعزيز قدراته الدفاعية والتقنية، وخصوصاً في مجال مراقبة الحدود والاتصالات والاستطلاع والنقل. فالمانحون يدركون حساسية التوازنات الداخلية، لذلك يجري التركيز على معدات حديثة وتدريب نوعي ورفع الجهوزية، بما يسمح للجيش بأداء مهماته في حفظ الأمن الداخلي وضبط الحدود البرية والبحرية ومواكبة أي انتشار إضافي في الجنوب أو على خطوط تماس حساسة. في هذا الإطار، تبرز أهمية الدعم الأميركي والأوروبي المتواصل منذ سنوات، سواء عبر برامج التدريب أو تزويد المؤسسة آليات وتجهيزات متخصصة.

مسألة التطويع ليست في صدارة جدول الأعمال، رغم أن الجيش بحاجة الى زيادة عدد عناصره. إلا أن الأولوية الحالية تبقى لتثبيت الموجودين ومنع مزيد من النزف البشري قبل إطلاق أي خطة توسّع كبيرة. فالقدرة على استيعاب عناصر جديدة مرتبطة حكماً بقدرة الدولة على تمويلها وضمان استمرارية رواتبها وتجهيزها.

سياسياً، يحمل المؤتمر رسالةً واضحة تتجاوز الدعم المالي المباشر، إذ يشكل غطاءً دولياً لتعزيز موقع الجيش كمؤسسةٍ شرعية جامعة في مقابل واقع السلاح غير الشرعي. فالمجتمع الدولي يربط دعمه بتعزيز دور الدولة وبتمكين الجيش من الاضطلاع بمهمات أوسع في إطار خطة حصر السلاح بيد الدولة. وفي هذا المعنى، يصبح الدعم الدولي استثماراً في استقرار لبنان لا مجرد مساعدةٍ تقنية.

في المحصلة، يتركز مؤتمر باريس على تثبيت المؤسسة العسكرية مالياً ولوجستياً ومعنوياً أكثر مما يركز على صفقات سلاح نوعية أو حملات تطويع واسعة. فالرهان الدولي يقوم على منع انهيار آخر ركائز الدولة، فيما يراهن الداخل على أن يؤدي تثبيت الجيش إلى تعزيز الاستقرار وفتح نافذة لالتقاط أنفاس الاقتصاد والسياسة. وبين حاجات الرواتب وضغوط التشغيل ورسائل السيادة، يقف الجيش اللبناني اليوم في قلب معادلة دقيقة عنوانها البقاء متماسكاً في بلد يختبر حدوده القصوى.

بواسطة
إسكندر خشاشو
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى