أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- الدولة تطالبهم بمليار دولار .. من هم مالكو كسارات لبنان؟

في خضمّ الغضب الشعبي الذي واجه الضرائب التي فرضتها حكومة نواف سلام في 16 شباط الجاري، برز كلام لافت لرئيس الحكومة نواف سلام حول إصدار سندات تحصيل بحق أصحاب الكسّارات والمقالع بقيمة تقارب المليار دولار. وأشار سلام إلى تعقيد هذا الملف نظراً لتداخل الصلاحيات بين الإدارات المعنية وارتباطه بجهات مستفيدة تتمتع بنفوذ سياسي وإداري.
كما كان لافتاً تأكيده أنّ الهدف ليس الصدام السياسي، بل تأمين إيرادات مستحقة للخزينة في ظل الظروف المالية الصعبة.

غير أنّ هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: من هم هؤلاء النافذون؟ من يملك فعلياً هذه الكسّارات والمقالع في لبنان؟ وهل ستبقى سندات التحصيل، البالغ عددها 1500، حبراً على ورق أم ستتحوّل إلى أموال فعلية تدخل خزينة الدولة؟
في هذا الإطار، أشار الخبير الاقتصادي الدكتور بلال علامة إلى كلام رئيس الحكومة لم يقتصر على الكسارات بل شمل ايضاً المرامل والمقالع التي يُستخرج منها التراب والرمال ومواد البناء، موضحاً أنّه، وبحسب رئيس الحكومة، جرى إصدار سندات تحصيل تفوق قيمتها المليار دولار. إلا أنّه ربط صعوبة تحصيل هذه المبالغ بكون أصحاب هذه المصالح من النافذين، ما يجعل التنفيذ أكثر تعقيداً.

الخبير الاقتصادي د. بلال علامة

وأوضح علامة أنّ هذا الملف يعود إلى مرسوم أعدّته الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي، حين كان ناصر ياسين وزيراً للبيئة، استناداً إلى دراسة أعدّتها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، التي قامت بمسح شامل للأراضي اللبنانية لتحديد مواقع الكسّارات والمرامل، وكميات المواد المستخرجة منها، إضافة إلى تحديد هوية أصحابها أو المستثمرين فيها.غير أنّه، ومع تشكيل الحكومة الحالية وتسلّم تمارا الزين وزارة البيئة، طلبت في أول جلسة للحكومة استرداد مرسوم التحصيل السابق، ما أدّى إلى تعطيل مفاعيل أوامر القبض والتحصيل التي كانت ستُصدرها وزارة المالية وتحوّلها إلى اصحاب الشأن.
وأشار علامة إلى أنّ القرار جاء بحجّة إعادة درس المرسوم وتصحيح بعض الأخطاء المرتبطة بأسماء أشخاص وهوية مستثمرين أو مستفيدين، نتيجة متغيّرات طرأت.
واعتبر علامة أنّ طريقة التعاطي مع هذا الملف توحي بأنّ المسألة تُدار وفق ميزان القوى، حيث يفرض بعض النافذين هيمنتهم على الجبال والوديان والمناطق التي يمكن إنشاء كسّارات ومرامل فيها، مستفيدين من عائداتها، فيما تبقى عملية تحصيل مستحقات الدولة رهينة التوازنات والنفوذ.

ورأى علامة أنّه من المستحيل حالياً تحديد أسماء أصحاب الكسّارات بشكل مباشر، إلا أنّه اعتبر أنّ معظم السياسيين النافذين الذين يملكون سطوة على المخافر والوزارات المعنية استفادوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من هذا القطاع، سواء عبر استثمار مباشر أو من خلال واجهات وأشخاص مقرّبين.
وشدّد على أنّ الاستفادة لم تقتصر على السياسيين فحسب، إذ إنّ عدداً غير قليل من الأفراد استحصلوا على رخص زراعية أو باشروا أعمال استصلاح أراضٍ، وتحت هذا الغطاء قاموا باستخراج الرمال والبحص وبيعها. كما أشار إلى أنّ بعض الوديان ومجاري الأنهار تعرّضت لمثل هذه الممارسات، إضافة إلى الاستفادة من رمال البحر، حيث جرى سحب كميات من الشواطئ وبيعها بصورة غير قانونية.
وقال علامة إنّ كل الأطراف التي شاركت في الحرب اللبنانية “السيئة الذكر” كان لديها، كلٌّ ضمن نطاق نفوذه الجغرافي، كسارات ومرامل، وكانت تجبي الأموال منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ولفت علامة إلى أنّ الدراسة الأخيرة التي أعدّتها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني قدّرت قيمة الغرامات المتوجّبة على المستفيدين بنحو 3 مليارات و400 مليون دولار، وهو الرقم الذي كانت قد أعلنته النائبة نجاة صليبا، مؤكدةً أنها تتابع ملف البيئة وأنّ القيمة الفعلية للغرامات تبلغ 3.4 مليارات دولار.
إلا أنّ علامة أشار إلى أنّ هذا المبلغ خُفِّض لاحقاً، ليصبح بحدود مليار دولار أو يزيد بقليل، وفق ما أُعلن رئيس الحكومة نواف سلام. وتساءل عن مصير الفارق الكبير بين الرقمين، ومن هم الأشخاص الذين جرى إعفاؤهم أو التغاضي عن مخالفاتهم، وما إذا كان جزء من المخالفات قد اعتُبر عائداً إلى مراحل زمنية سابقة غير محتسبة ضمن آلية التحصيل الحالية.

واعتبر أنّ رئيس الحكومة أراد من خلال مواقفه توجيه رسالة تبريرية للفشل في إدارة هذا الملف، مفادها أنّ الدولة غير قادرة على تحصيل الأموال من أشخاص نافذين يتمتّعون بغطاء في مختلف الدوائر المعنية. وذكّر علامة بمرحلة سابقة حين جرى النزاع حول أعمال في منطقتي عين دارة وظهر البيدر، حيث لجأ أحد المستثمرين إلى التحكيم الدولي، وربح تعويضاً قُدّر بنحو 300 مليون دولار، نتيجة عقود وُصفت بأنّها “ملغومة” ولم تكن في مصلحة الدولة.
وأضاف أنّ في مقابل تبرير عدم القدرة على الجباية، يمكن قراءة رسالة أخرى من تصريح الرئيس سلام، موجّهة إلى النافذين الذين استثمروا في الكسّارات والمرامل، مفادها أنّ الخزينة بحاجة إلى أموال، وأنّ من استفاد لسنوات طويلة مدعوّ اليوم للمساهمة في عملية إعادة النهوض بالدولة، ولو عبر تسديد جزء من المستحقات.
غير أنّ علامة رأى أنّ هذا الطرح يبقى سياسياً وغير واقعي، معتبراً أنّ معالجة الملف يجب أن توضع بعهدة الجيش اللبناني، وأن تُنفَّذ أوامر التحصيل تحت غطاء القانون وبسلطة الدولة الكاملة، بعيداً من الحسابات السياسية والضغوط النافذة.

بواسطة
وعد بوذياب
المصدر
خاص- Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى