خاص – 59% من إيرادات الدولة تذهب للرواتب .. تضخّم القطاع العام يبتلع الخزينة؟!

في ظل الجدل القائم حول كلفة زيادات رواتب القطاع العام، تتكرر الإشكالية المرتبطة بعدم وضوح الأرقام الرسمية، وسط تضارب في التقديرات بين 800 مليون دولار ومليار أو حتى مليار و100 مليون دولار على سلسلة الرتب والرواتب، بعدما كانت التقديرات تشير سابقاً إلى نحو مليار دولار قبل أن ترتفع إلى مليارين ونصف مليار دولار أو أكثر.
الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين أوضح في حديث لموقعنا Leb Economy أن “أصل المشكلة يكمن في غياب أرقام دقيقة حول عدد موظفي الدولة، إذ إن الإدارات العامة تعرف عدد العاملين لديها، لكن لا تتوافر معطيات واضحة عن أعداد الموظفين في المؤسسات العامة، البالغ عددها 94 مؤسسة، من بينها 32 مستشفى حكومياً. كذلك لا توجد أرقام دقيقة حول حجم المتعاقدين الذين أبرمت الإدارات عقوداً معهم، ما يفتح الباب أمام احتمال ارتفاع الكلفة الفعلية، في ظل عدم وضوح عدد المستفيدين من الزيادات تحت مسميات وظيفية مختلفة”.

وبحسب شمس الدين، حتى لو سُلّم جدلاً بأن الكلفة تبلغ 800 مليون دولار فقط يرفع كلفة القطاع العام إلى نحو 3 مليارات و200 مليون دولار كحد أدنى، ومع إضافة الزيادة تصبح الكلفة الإجمالية قرابة 4 مليارات دولار. وفي المقابل، وعلى فرض تحصيل 800 مليون دولار إضافية، فإن إيرادات الدولة تبلغ نحو 6 مليارات و800 مليون دولار، ما يعني أن ما يقارب 59% من الإيرادات يُخصص للرواتب والأجور، وهو رقم مرتفع جداً”.
وأوضح أن “الموظف لم يحصل على كامل حقوقه، غير أن المشكلة في الوقت نفسه تكمن في التضخم الكبير في حجم القطاع العام. فالحديث عن شغور بنسبة 70% يُعد شغوراً نظرياً لا واقعياً، في ظل التساؤل حول الحاجة الفعلية إلى جميع الإدارات والوزارات والمؤسسات العامة القائمة حالياً، خصوصاً أن هيكليات هذه الإدارات تعود إلى نحو 70 عاماً، فيما تغيرت آليات العمل بشكل جذري مع تطور المعاملات الإلكترونية التي تختصر عشرات الإجراءات التقليدية”.
وأضاف شمس الدين أن “عدد العاملين في القطاع العام يناهز 285 ألفاً، ويمكن خفضه إلى النصف إدارياً وأمنياً”، مشيراً إلى أن “القوى الأمنية وحدها تضم نحو 130 ألف عنصر بين الجيش والأمن العام وأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي”.
ورأى أن “الأمن في لبنان سياسي الطابع، وأن البلاد لا تحتاج إلى هذه الأعداد الكبيرة لا في الإدارة ولا في الجيش أو الأجهزة الأمنية”، معتبراً أن “اللبنانيين باتوا يعملون لتمويل رواتب الموظفين”.
وفي المقابل، شدد شمس الدين على أن “الموظف أو العسكري لا يزال يتقاضى نحو 40% فقط من راتبه الفعلي قبل الأزمة”. وشرح أنه “إذا كان الموظف يتقاضى عام 2019 نحو ألف دولار، أي ما يعادل مليوناً و500 ألف ليرة آنذاك، فإن الراتب الأساسي بعد الزيادات بات 28 مليوناً و500 ألف ليرة، ومع احتساب ستة رواتب إضافية أصبح مجموع ما يتقاضاه 19 راتباً. كما أضيف بدل إنتاجية وبدل نقل وفق الرتبة أو الوظيفة، فعلى سبيل المثال إذا احتُسب بدل نقل يعادل ثماني صفائح بنزين بسعر مليون ونصف المليون للواحدة، أي 12 مليون ليرة، وبدل إنتاجية بقيمة 10 ملايين ليرة، يصبح مجموع ما يتقاضاه الموظف نحو 50 مليون ليرة”.
ولفت إلى أنه “عند احتساب هذا المبلغ على سعر صرف 89 ألفاً و500 ليرة للدولار، يصبح الراتب نحو 565 دولاراً، أي حوالي 65% من الراتب الذي كان يتقاضاه عام 2019. إلا أن هذه الزيادات لا تدخل في أساس الراتب، ما يعني أن التعويضات عند التقاعد ستُحتسب على أساس المليون و500 ألف ليرة فقط، باعتبار أن البدلات تُعد إضافات لا تدخل في صلب الراتب. كما أن الألف دولار التي كان يتقاضاها الموظف في عام 2019 تعادل اليوم نحو 1300 دولار نتيجة التضخم، ما يجعل مبلغ 565 دولاراً أقل بكثير من القيمة الفعلية المطلوبة لتعويض التراجع”.
وختم شمس الدين بالتأكيد على أن “منح الموظفين حقوقهم أمر ضروري، لكن ذلك يجب أن يترافق مع إعادة نظر شاملة في حجم القطاع العام، إذ تبلغ نسبة العاملين في الدولة نحو 25% من القوى العاملة في لبنان، وهي نسبة لا توجد في أي دولة في العالم، بينما تتراوح في الدول المتقدمة بين 7 و8% فقط. هذا التوسع يشمل الأجراء والمتعاقدين والعاملين بالفاتورة والإدارات العامة والمؤسسات العامة والقوى الأمنية، ما أدى إلى تضخم الكلفة، مؤكداً أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات جزئية، بل تتطلب إصلاحاً جذرياً وشاملاً على المستوى المالي والإداري والاقتصادي”.



