خاص – مجلس النّقد بين الإرث التّاريخيّ والتّكييف المعاصر: هل يمكن أن يكون حلًّا لأزمة لبنان؟

بقلم الدكتور رياض عبجي
أعادت الأزمة النقدية والمالية العميقة التي يمرّ بها لبنان إحياء النقاش حول آلية نقدية تعود جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر، ألا وهي مجلس النقد (Currency Board). وقد نشأ هذا النظام أساسًا في عدد من المستعمرات البريطانية، وكان هدفه الأساسي تحقيق الاستقرار الاقتصادي، لا سيّما استقرار الأسعار، من خلال القضاء على تقلبات العملة المحلية. وكانت فكرته الجوهرية في غاية البساطة: تلتزم الجهة المُصدِرة للنقد بالاحتفاظ باحتياطات من العملة الأجنبية تعادل بالكامل حجم النقد المتداول محليًا (M0).
في بداياته، أظهر هذا النظام نتائج مُرْضية جدّا. ثم جرى اعتماده لاحقًا في هونغ كونغ حيث لا يزال مطبّقًا حتى اليوم، ويُنظر إليه على نطاق واسع كنموذج ناجح. في المقابل، انتهت تجربة الأرجنتين بالفشل مع انهيار النظام عام 2002، وذلك بعد أحد عشر عامًا من تطبيقه. وغالبًا ما يعزو المدافعون عن مجالس النقد هذا الفشل إلى عوامل خاصة بالأرجنتين نفسها، كضعف الانضباط المالي والاختلالات البنيوية، أكثر مما يعزونه إلى خلل جوهري في النظام بحدّ ذاته.
ولكن، وبغية تقييم مدى ملاءمة مجلس النقد لحالة لبنان، ينبغي أوّلا طرح الأسئلة الصحيحة: ما هو الهدف الحقيقيّ لمجلس النّقد؟ وما هي كلفته؟ وكيف يعمل هذا المجلس فعليًا؟ وهل يمكن إعادة تصميمه بطريقة معاصرة تحقق نتائج أفضل من السابق؟
إنّ الهدف الأساسيّ المُعلن لمجلس النقد هو خلق شروط الازدهار الاقتصادي عبر ضمان استقرار الأسعار. ويُفترض أن يتحقق هذا الهدف من خلال ربط العملة المحلية بعملة دولية، والاحتفاظ باحتياطات أجنبية تعادل القاعدة النقدية (M0). من دون أن يُعلن هذا الهدف رسميًا، هذا هو تمامًا ما قام به مصرف لبنان ابتداءً من العام 1997، حين ثبّت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي عند حدود 1507 ليرات، وراكم احتياطات بالعملات الأجنبية تجاوزت بكثير حجم النقد المتداول.
إلا أن النتيجة في لبنان لم تختلف عن التجربة الأرجنتينية، بل جاءت أسوأ منها. والخطأ الجوهري كان بعد مراجعة التجربة اللبنانيّة كَمَنَ في الخلط بين الوسيلة والغاية. فالازدهار الاقتصادي لا ينتج تلقائيًا عن استقرار الأسعار، كما أن استقرار الأسعار لا يتحقق ميكانيكيًا عبر سعر صرف ثابت. في الحالة اللبنانية، لم يفرض تثبيت سعر الصرف ولا حجم الاحتياطات أي انضباط مالي. بل على العكس، أدّى الشعور الزائف بالأمان الناتج عن وفرة الاحتياطات إلى تشجيع إنفاق عام غير مضبوط.
إضافة إلى ذلك، تكبّد لبنان كلفة باهظة للحفاظ على “وهم” الاستقرار النقدي. فالاحتياطات بالعملات الأجنبية لم تكن سوى مدّخرات محلية، جرى تحويلها بعيدًا عن الاستثمار المنتج داخل الاقتصاد الوطني، مما أدى إلى طاقات معطّلة وفرص نمو ضائعة تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات. وفي الوقت نفسه، فرض اقتراض الدولة اللبنانية بالعملة المحلية لتكوين هذه الاحتياطات والمحافظة عليها، عبئًا هائلًا من الفوائد المتراكمة على الخزينة العامة.
بناءً على ما تقدّم، السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا نجح مجلس النقد في هونغ كونغ وفي بعض المستعمرات البريطانية السابقة؟ في حالة هونغ كونغ تحديدا، لم يكن مجلس النقد هو من أنتج النجاح الاقتصادي، بل إن نجاح هونغ كونغ هو ما سمح باستمرار مجلس النقد. ولو كان سعر الصرف عائمًا، لما تغيّرت الإنجازات الاقتصادية الأساسية. أما في المستعمرات البريطانية، فقد كان “النجاح” الظاهر ناتجًا عن غياب كامل للاستقلالين النقدي والمالي. فعملاتها لم تكن مربوطة بالجنيه الإسترليني فحسب، بل كانت عمليًا امتدادًا له.
من هنا، تصبح إعادة النظر في المفهوم نفسه ضرورة. فالهدف الأصلي من مجالس النقد كان منع الحكومات من تمويل عجزها عبر الإصدار النقدي غير المنضبط. يومها، كان الدين العام يتجسّد أساسًا في النقد المتداول. أما اليوم، فلم يعد هذا صحيحًا. إذ إن M0 يمثّل جزءًا ضئيلًا جدًا من إجمالي التزامات الدولة. فالسندات بالعملة المحلية، والتزامات التقاعد، والمتأخرات للمورّدين، ومستحقات الضمان الاجتماعي، كلها تشكّل دينًا عامًا يفوق بأضعاف حجم النقد المتداول.
وعليه، فإن المقاربة الأكثر انسجامًا تقتضي العودة إلى جوهر مجلس النقد، وذلك عبر الجمع بين ثلاثة عناصر أساسيّة ومترابطة: أوّلا، تثبيت سعر الصرف مقابل عملة دولية؛ ثانيا، الاحتفاظ باحتياطات أجنبية تعادل بالكامل النقد المتداول (M0)؛ وثالثا، الحظر الصارم لأي اقتراض للدولة بالعملة المحلية.
يوفّر هذا الإطار أفضل ما في عدة عوالم في آن واحد، لا سيّما استقرار العملة والأسعار؛ وانضباط مالي مفروض من الخارج؛ وتقليص تعطيل المدّخرات المحلية؛ وخفض كلفة خدمة الدين العام؛ كما وتحسين قدرة الفاعلين الاقتصاديين على التوقّع والتخطيط. والأهم أن هذا الحل يتميّز بالبساطة في التطبيق والوضوح في الرقابة.
في بلدٍ مثل لبنان، حيث تآكلت الثقة بالكامل بفعل الأزمة وبفعل سوء إدارتها، لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح إذا كان معقّدًا أو قابلًا للتأويل. فلقد أثبتت التجربة أن الحلول القائمة على الهندسات الغامضة أو الوعود غير القابلة للتحقق تتحول سريعًا إلى أدوات إضافية للهروب من المساءلة. من هنا، قد تكون البساطة – لا كاختزال سطحي، بل كوضوح صارم في القواعد والالتزامات – الشرط الأول لأي إصلاح قابل للحياة، إصلاح يُفهم من الجميع، ويُطبّق على الجميع، ويُراقَب بسهولة.
السؤال إذا ليس ما إذا كان مجلس النقد، بصيغته المُعاد التفكير فيها أعلاه، يشكّل حلًا سحريًا للأزمة اللبنانية. بل السؤال هو: هل يوفّر هذا الإطار قواعد واضحة تمنع تكرار الأخطاء نفسها؟ وهل يفرض انضباطًا لا تستطيع الدولة التملّص منه، ويضع حدًا نهائيًا لتمويل العجز على حساب العملة والمدّخرات والاقتصاد الحقيقي؟
الدكتور رياض عبجي
رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك بيمو



