منهجيّة إعادة الإعمار: مقاربة تدريجية لضبط الأولويات

في ظل اتساع رقعة الأضرار وتعقد المشهدين المالي والأمني، جاءت الموافقة الحكومية على منهجية إعادة الإعمار كإطار ناظم لكيفية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة المعالجة المنظمة، بما يوازن بين الحاجة الملحة للمتضررين والقدرة الواقعية للدولة على التدخل، ويضع مسارا واضحا لتدرج الخطوات وتحديد الأولويات.
وقال مصدر وزاري لـ «الأنباء» الكويتية: «تنطلق المنهجية المعتمدة من أولوية السلامة العامة، عبر المباشرة بإطلاق أول رزمة عمل تستهدف المباني التي تحتاج إلى ترميم إنشائي، باعتبار أن التدعيم يشكل المدخل الإلزامي لأي خطوة لاحقة، ويمنع تفاقم المخاطر على السكان والممتلكات، خصوصا في الأبنية المتضررة بشكل يهدد استقرارها البنيوي».
وأوضح المصدر أن «هذه الخطوة تسير بالتوازي مع استكمال عمليات مسح وتدقيق الأضرار، وفق ما نص عليه القرار الرقم 4 الصادر بتاريخ 7/12/2024، حيث ترفع الجهات المعنية تقاريرها التفصيلية إلى رئاسة مجلس الوزراء، بما يسمح بتجميع المعطيات في مرجعية مركزية واحدة، تشكل الأساس لأي قرار مالي أو تنفيذي لاحق يتعلق بالإعمار».
وأشار المصدر إلى أن «هذه التقارير تشكل المادة الخام لعمل اللجنة المكلفة بمتابعة ملف الإعمار بموجب القرار الرقم 36 تاريخ 14/5/2025، والتي تتولى استكمال ترتيب أنواع التدخل المطلوبة وفق حجم الأضرار الممسوحة، والهدف هو الخروج من المقاربات العامة والانتقال إلى تصنيف دقيق يربط كل مستوى من الضرر بنوع تدخل محدد وكلفة تقديرية واضحة».
وأضاف المصدر أن «تحريك التدخلات يبقى مرتبطا بشكل مباشر بتوافر الأموال، سواء من مصادر داخلية أو خارجية، والمنهجية لا تفترض تمويلا غير متوافر، بل تقوم على مبدأ تكييف حجم التدخل مع حجم التمويل المتاح، بما يسمح بإطلاق ورش إعمار جزئية بدل انتظار تأمين كامل الكلفة الشاملة، وهو ما يسرع في تلبية بعض الحاجات الأكثر إلحاحا».
ولفت المصدر إلى أن «المسوحات الأولية تحدد كلفة المعالجة بحسب نوع الضرر، بحيث يمكن، بعد المباشرة بالتدعيم الإنشائي، البدء بإعمار جزئي للمباني التي تعرضت لدمار جزئي، يلي ذلك الترميم الذي يخص المباني والوحدات المتضررة بشكل طفيف إلى متوسط، وصولا إلى إعادة الإعمار الكاملة للمباني المدمرة كليا، أو تلك التي تستوجب الهدم الكامل ثم إعادة البناء، مؤكدا أن هذا التسلسل يهدف إلى تحقيق أكبر أثر ممكن ضمن الموارد المتاحة».
وتابع المصدر: «اما حول القرى الحدودية المتضررة بشكل كبير، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يمنع في بعض المناطق عودة السكان أو المباشرة الفورية بأعمال الإعمار، ما يستدعي مقاربة مختلفة تقوم، في الحد الأدنى، على تحريك التمويل اللازم لدفع بدلات الإيواء، كحل موقت يخفف الأعباء الاجتماعية والإنسانية عن الأهالي إلى حين توافر الظروف الملائمة للتدخل المباشر».
وأكد المصدر أن «المنهجية تولي اهتماما خاصا بالنازحين الذين لا يزالون في مراكز الإيواء، من خلال تحديث المعطيات المتعلقة بهم وإعطائهم أولوية سواء في دفع المساعدات المتوجبة أو بدلات الإيواء، في محاولة لعدم ترك هذه الفئة رهينة الانتظار أو التخبط الإداري، وربط الإعمار بالبعد الاجتماعي إلى جانب البعد الهندسي».
وكشف المصدر عن أن «المنهجية تتيح في الوقت نفسه لأي متضرر التقدم بطلب إلى المؤسسة العامة للإسكان، بالتوازي مع المسارات الأخرى، بما يفتح أكثر من قناة للمساعدة ويخفف الضغط عن آلية واحدة، ويمنح المتضررين هامشا أوسع من الخيارات وفق أوضاعهم وحاجاتهم».
وشدد على أن «الإدارات المعنية ستباشر باستقبال طلبات المساعدة وفق الآلية التي أقرها مجلس الوزراء، بما يضمن توحيد الإجراءات والحد من الاستنسابية، واستكمال هذا المسار يتم عبر إنشاء وحدة خاصة في مجلس الوزراء تحمل اسم »وحدة مخاطر الطوارئ«، تتولى إنشاء منصة رقمية لتتبع طلبات المساعدة ومسارها، بما يعزز الشفافية، ويسمح بمراقبة التنفيذ، ويحد من الهدر والتداخل بين الجهات المختلفة».
ورأى أن «هذه المنهجية لا تشكل حلا سحريا لأزمة الإعمار، لكنها تمثل محاولة جادة لوضع خريطة طريق واقعية وقابلة للتنفيذ، تقوم على التدرج، وضبط الأولويات، وربط القرارات بالمعطيات الميدانية والتمويل المتاح، بانتظار أن تسمح الظروف الأمنية والمالية بتوسيع نطاق التدخل وتسريع وتيرته».



