حليب الرضّع في لبنان… نَجوا من “الملوّث” فهل يسلمون من “المزوّر”؟ (نداء الوطن ٣٠ كانون الثاني )
لم تقف حدود الفاجعة عند فرنسا؛ فخلف خبر وفاة رضيعين لم يكملا شهرهما الأول نتيجة تلوث في حليب الأطفال، استيقظ العالم على كابوس عابر للقارات، سرعان ما حطّ رحاله في بيوت اللبنانيين. في الصيدليات، المشهد لا يحتاج إلى شرح؛ أمهاتٌ يملأ قلوبهن القلق، وآباءٌ يهرعون لاستبدال علب الحليب بأي بديل آخر، لعلهم ينتزعون “راحة بال” فُقدت خلف شاشات الهواتف التي نقلت الخبر كالنار في الهشيم.
في الخارج، قد يكون الموضوع قد توقف عند حدود السيطرة بعد سحب العبوات الملوثة من الأسواق. لكن في بلدنا، يبدو الهمّ مضاعفًا؛ فالمسألة بالنسبة للأم اللبنانية لم تعد مجرد اختيار نوع غذائي، ومخاوف من أن يكون ما تقدمه لطفلها “سمًا” مُغلفًا بشعار “ماركة” عالمية براقة، بل يمتد الكابوس إلى المعابر غير الشرعية، حيث يتربص بصحة الرضع حليب قد يكون مزورًا، مهربًا، أو مغشوشًا يتسلل بعيدًا من الرقابة.
فجّرت حادثة الحليب أزمة شجب عالمية شملت أكثر من 60 دولة، بعد اكتشاف مادة “سيريوليد” (Cereulide) السامة، وهي ذيفان بكتيري تفرزه بكتيريا (Bacillus cereus) يهاجم خلايا الجسم ويسبب القيء والإسهال الحاد. وبسبب تلوث أحد المكونات الأساسية في التصنيع، وجدت كبرى الشركات العالمية مثل “نستله” و”لاكتاليس” ودانون” نفسها في عين العاصفة، حيث سارعت لسحب ملايين العبوات من الأسواق الأوروبية والأميركية والآسيوية كإجراء احترازي طارئ.
في لبنان، “مش ناقصنا همّ” وفجائع إضافية، لذا كان من الطبيعي أن يتسلل الرعب إلى قلوب الأهالي فور سماع أسماء تجارية يمتلئ بها السوق المحلي. وبالتركيز على العلامات الموجودة في صيدلياتنا تحديدًا، مع العلم أن هناك عشرات الأنواع الأخرى التي سُحبت عالميًا ولا تدخل لبنان – تبرز أسماء مثل “نان” التابعة لـ “نستله”، و “أبتاميل” التابعة لـ “دانون”. فماذا يوجد على رفوفنا؟
سلاسل توريد مختلفة
أوضحت مصادر صيدلانية لنا أن الشركات العالمية المصنعة تعتمد استراتيجية توزيع وتقنيات إنتاج متباينة بحسب المناطق الجغرافية، مشيرةً إلى أن “سلسلة التوريد” (Supply Chain) المعتمدة للسوق اللبناني والشرق أوسطي تختلف تمامًا عن تلك المخصصة للأخرى الأوروبية. وبناءً عليه، فإن الحليب المتوافر في الصيدليات اللبنانية يصدر عن معامل مختلفة، ويتم إنتاجه عبر خطوط تصنيع (Production Lines) منفصلة كليًا عن تلك التي شهدت الخلل في فرنسا.
وشددت المصادر على أن نظام التتبع (Tracking) يؤكد أن أرقام التشغيلات (Batch Numbers) التي سُحبت عالميًا لم تدخل لبنان أساسًا، ولم تتبلغ وزارة الصحة اللبنانية أو نقابة الصيادلة أي إنذار بخصوص المنتجات المحلية.
فحوصات مخبرية محلية
يأتي هذا التوضيح ليؤكد أن المسار اللوجستي للحليب في لبنان يتبع مسارًا مختلفًا، مما يجعل إمكانية وجود الحليب الملوث في الصيدليات اللبنانية أمرًا غير وارد تقنيًا. كما أن وزارة الصحة تتعامل مع ملف حليب الأطفال بدقة متناهية، حيث يتم تسجيل كل أرقام التشغيلات التي تدخل البلاد بشكل شرعي رسميًا. وتلفت المصادر إلى أنه لو كان هناك أدنى احتمال لوجود خطر، لكانت الوزارة قد سارعت لإصدار بيان رسمي وتحذير للرأي العام، نظرًا لوجود تنسيق دائم مع الوكلاء المعتمدين الذين يتابعون مسار كل شحنة مع الشركات الأم، مما يجعل عملية التبليغ وسحب المنتج أمرًا بديهيًا وتلقائيًا. وكخطوة احترازية إضافية لمجاراة القلق الشعبي، سحبت وزارة الصحة عينات عشوائية من منتجات الشركات المذكورة من السوق المحلي، وأخضعتها لفحوصات دقيقة في مختبرات معتمدة، وجاءت النتائج سليمة ومطابقة للمواصفات، لتؤكد حتى كتابة هذه السطور أن الحليب في لبنان آمن.
بين الملوّث والمزوّر
مع ذلك، نتوقف عند نقطة أساسية ذكرها المصدر وهي: “إذا دخل الحليب بالطريقة الشرعية”؛ ففي ظل واقع المعابر غير الشرعية والتزوير الذي بات مهنة الكثيرين، تبرز خطورة الحليب المهرّب أو المغشوش الذي يباع في أسواق موازية بعيدًا من رقابة الصيدليات. تعلّق المصادر قائلة: “هنا تكمن الخطورة الحقيقية التي تتجاوز مجرد تلوث مصنعي؛ فقد يكون هذا الحليب منتهي الصلاحية أو أعيد تعليبه بطرق بدائية، تمامًا كما يحدث في ملف الأدوية المزورة. هذه المنتجات “السوداء” لا يمكن تتبعها، وهي المسؤولة عن نقل المخاطر إلى داخل المنازل. ويبقى الرهان على وعي الأهالي في حصر مشترياتهم بالمراكز الصيدلانية المرخصة لضمان الحصول على المنتج المراقب والمضمون.
نظرة على الصيدليات
رُصدت حالة من القلق الواسع بين الأهالي إثر انتشار أخبار التلوث، فكان ولا يزال المشهد في الصيدليات واحدًا: أمهاتٌ وآباءٌ يهرعون لتغيير أنواع الحليب التي اعتاد عليها أطفالهم، واللجوء إلى بدائل أخرى متوافرة في السوق كخطوة استباقية لضمان أمان أطفالهم بعيدًا من أي شكوك، رغم طمأنة الصيدلي لهم بأن الحليب سليم.
ولقطع الشك باليقين، أتاحت الشركات العالمية المعنية منصات رقمية مخصصة لمتابعة هذه الأزمة، حيث يمكن للأهالي الدخول مباشرة إلى المواقع الرسمية لتلك الشركات التي انتهجت مبدأ الشفافية المطلقة في التعامل مع الحدث، موفرةً قواعد بيانات دقيقة تتضمن أرقام التشغيلات التي طالها التلوث أو اشتُبه بها، مع تحديد واضح ومفصل للدول والأسواق التي شملها التوزيع العالمي.



