الاقتراض من صندوق النقد الدولي | آليات تقنيّة أم سياسيّة لاتخاذ القرار؟ (الأخبار 15 تشرين الثاني)
أي ضمانات لاسترداد الأموال؟

كتب محمد وهبة في” الأخبار”:
لبنان ذاهب مباشرة للاستدانة من صندوق النقد الدولي باعتباره «الملاذ الأخير». هذا المفهوم لا يُلغي حقيقة مرّة تتجرّعها البلدان في الخضوع لبرامج الصندوق، وهي أن مسار العلاقة معه يبدأ بملف تقني وينتهي بقرار سياسي. الحصول على تمويل من الصندوق ليس أمراً يسيراً وسريعاً كما يُروّج له، بل هو مسار محكوم بالكثير من الاعتبارات والإجراءات التقنية وبالكثير من القرارات العائدة للممولين، أي الدول التي تملك أكثرية الأسهم أو الحصص في الصندوق
إذاًَ، قبل بلوغ مرحلة المجلس التنفيذي، هناك مرحلة تكوين الملف. وكما يحصل بين أي زبون وأي مصرف، فإن الزبون يتصل بالمصرف طالباً منه الحصول على التمويل. يبدأ الأمر بمباحثات تمهيدية. خلال هذه المرحلة، تقدّم الدول الراغبة في الاقتراض من الصندوق تصوّرها لما ستقوم به من أجل ضمان استدامة ديونها، واستعادة ثقة الأسواق المالية الدولية بها، بما يتيح لها الاقتراض مجدداً من هذه الأسواق وردّ قروض الصندوق. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، وخصوصاً أن الدول تقترض من صندوق النقد الدولي باعتباره الملاذ الأخير، أي أنها بلغت مرحلة التوقف عن الدفع والإفلاس بالمعنى التقني. وبما أنه لدى الصندوق معرفة واسعة بالبلدان الأعضاء، ولديه أيضاً شروط وحدود واضحة لآليات التمويل المتاحة، يصبح النقاش في التصوّر مرتبط برغبة البلد فعلاً في الحصول على التمويل من الصندوق ومدى استعداده لتنفيذ شروط الصندوق، وبمدى مرونة الصندوق في تطبيق هذه الشروط.
طبعاً هذه هي حدود التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تتضمن مساحة واسعة. منطلقات معاينة الأزمة وتشخيصها ستكون أمراً حيوياً في هذا النقاش. تحديد وتوزيع الخسائر أيضاً. القنوات والأهداف سواء في المالية العامة، وفي السياسات النقدية، وفي الاقتصاد من الدخل إلى الضريبة والتحفيز وشكل الشركات والمجتمع بشكل عام. كما أن استدامة الدين العام، كل هذه المسارات تتحوّل إلى مسارات يُبنى عليها سيناريوهات افتراضية. طبعاً الأمر يبدأ بتقديم الدولة الراغبة في التمويل، بتصوّرها للإجراءات والتدابير التي يفترض أن تعيد التوازن إلى ميزان المدفوعات، أي أن تعيد التوازن إلى مؤشراتها المالية والنقدية والاقتصادية ضمن المؤشرات المعيارية التي يقبل بها الصندوق. هنا تبدأ عملية التفاوض. ومن ضمن هذه العملية، تصبح التوجهات العامة للبلد في صلب هذا التفاوض. الإجراءات المنوي اتخاذها تصبح «إصلاحات».
إذاً، من مباحثات تمهيدية، إلى مفاوضات تقنية متصلة بالسياسات العامة، إلى مرحلة التقييم الداخلي. فالسيناريو الذي يتم الاتفاق على أنه يناسب الطرفين في إطار هدف التمويل مقابل استرداد الدين ضمن الفترة الزمنية المحدّدة، يتم التفاوض عليه لتحويله إلى برنامج عمل أو تصوّر مقدّم من الحكومة إلى الصندوق. يتم تضمين هذا التصوّر في إطار ما يسمّى «خطاب النوايا» الموجّه من الحكومة إلى الصندوق. يُذكر في هذا الخطاب، الأهداف العامة التي يسعى لتطبيقها البلد الراغب في التمويل، ويذكر أيضاً ما يسمّى «إصلاحات مالية» تتضمن إجراءات ضريبية بالجملة غالبيتها يستهدف الوصول إلى المؤشرات المعيارية التي يحدّدها الصندوق، أي انطلاقاً من موازين القوى الداخلية القائمة ومن دون أي مساس فيها. كذلك، يتطرق خطاب النوايا إلى ما يسمّى «إصلاحات هيكلية» تتعلق بالقطاع الخاص بشكل إجمالي لتحفيزه عبر إجراءات مختلفة غالباً يطلب الصندوق أن تكون الخصخصة أداتها الأساسية بالإضافة إلى شعارات تتعلق بالحوكمة ومكافحة الفساد وسواها… وفي هذه المرحلة لا يكون هناك اتفاق على تفاصيل التمويل، بل يباشر الفريق التقني المكلّف بالتفاوض بنقاش داخلي مع المسؤولين الأعلى في الصندوق لدراسة هذا التصوّر. عند انتهاء النقاش، يرفع الفريق إلى المجلس التنفيذي، دراسته حول التصوّر مرفقاً بملف عن التمويل يحدّد فيه كل التفاصيل والمؤشرات التي يفترض أن يتم على أساسها التمويل سواء برنامج التمويل، وقيمته، والمدّة الزمنية، وتقسيم الدفعات وسواها.
في الغالب، لا يُرفع إلى المجلس التنفيذي أي ملف لا يتوقع أن يوافق عليه المجلس. في الفترة الفاصلة بين المناقشات الداخلية في الصندوق، وبين رفع الملف إلى المجلس التنفيذي، تنطلق أيضاً مباحثات داخلية في الصندوق على مستوى أعلى من الفريق التقني والمسؤولين عنه، لمناقشة الملف بشكل يضمن أن يحصل على 85% من الأصوات في المجلس التنفيذي. ضمانة أن يحصل ذلك، هي في مسارات التصويت في المجلس التنفيذي. إذ يمكّن الأعضاء من التصويت بـ«الموافقة»، أو بـ«الاعتراض»، أو بـ«لا اعتراض». حصول الملف على النسبة اللازمة لموافقة المجلس التنفيذي تتضمن تصويتاً بـ«الموافقة» أو بـ«لا اعتراض». أي تصويت من جهة كبيرة بـ«الاعتراض»، مثل الولايات المتحدة التي تملك حصّة في الصندوق توازي 17% تقريباً، يلغي موافقة الصندوق على التمويل حكماً.
حالياً، ما زال لبنان في مرحلة المباحثات التمهيدية مع الصندوق. لم يصل بعد إلى مرحلة التفاوض. فهذه المرحلة تتطلب أن يقدّم تصوّراً واضحاً للإجراءات التي سيقوم بها من أجل إعادة التوازن إلى حساباته الخارجية والداخلية، سواء على مستوى ميزان المدفوعات، أو على مستوى الموازنة. لبنان ما زال في مرحلة إعداد الأرقام. المستشار المالي للحكومة «لازار» سيدرس الأرقام ويرسم سيناريوهات تستند إلى افتراضات تحددها الحكومة لمجموعة مسائل أبرزها يتعلق بتحديد السعر المستهدف لصرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، تحديد خسائر القطاع المالي، آليات وقنوات توزيع الخسائر، نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، حساب الناتج المحلي الإجمالي، استدامة الدين العام على المدى المتوسط نسبة إلى الناتج، عجز ميزان المدفوعات… ثمة الكثير من العمل الذي لم يطرأ عليه أي تقدم لغاية الآن سوى أن وزارة المال ومصرف لبنان أعطت «لازار» وصندوق النقد الدولي البيانات المالية التي سيتم على أساسها احتساب كل هذه البنود. المشكلة تكمن في الافتراضات والاحتساب والأهداف التي ليس هناك اتفاق عليها بعد. ما ينطبق على لبنان هو أنه في مرحلة إعدادية ولم يدخل في صلب الموضوع بعد التي تمكّنه من التفاوض على الأرقام والافتراضات والنتائج.
القرار السياسي… من مؤتمرات باريس إلى التـمويل المباشر
اعتاد لبنان في العقود الماضية أن ينال التمويل الذي يطلبه من المجتمع الدولي (وخصوصاً في مؤتمرات باريس 1،2،3،4) من دون المرور بعملية التوقف عن الدفع ومن دون المرور عبر علاقة تمويلية مباشرة مع صندوق النقد الدولي. هذا الأمر كان يعفيه من تقديم برنامج مفصّل يوافق عليه الصندوق مقابل كل دولار تمويل. كان التصوّر الذي تقدّمه الحكومة اللبنانية للدول المانحة تستند إلى رعاية ما من الصندوق، أو أن يكون البرنامج متوافقاً مع شروط الصندوق من دون أن يكون لهذا الأخير قوّة إجبارية على فرض تنفيذ الإجراءات التي تعهدت بها الحكومة. هذا الأمر كان يعفي المسؤولين في لبنان من القيام بأي شيء. وفضلاً عن أنهم استمرّوا بتوزيع الأموال التي حصلوا عليها كتمويل من الدول والمنظمات الدولية، عبر قنوات الريع والزبائنية، إلا أنهم أيضاً أعفوا أنفسهم من القيام بأي إجراءات جديّة لتعديل النموذج الاقتصادي. طبعاً لا يؤمل من أي علاقة مع الصندوق أن يكون هناك إصلاح جدّي ليصبح الاقتصاد في خدمة المجتمع، لأن الصندوق لا يهتم بتعديل موازين القوى، بل ربما يهتم أكثر بتجليس النموذج وأدواته وفق هوية فكرية كلاسيكية للرأسمالية. بهذا المعنى، يمكن أن تستمرّ الضرائب على الفئات الأكثر هشاشة ولو زيدت على الفئات الأكثر قدرة، وأيضاً يمكن أن تواصل قنوات التوزيع القيام بعملها التقليدي لتوزيع موارد المجتمع بنصيب أكبر للفئات الثرية إنما بأدوات جديدة ونظامية. لذا، قد لا نجد فرقاً حقيقياً بين ما يسعى إليه النظام الحالي القائم في لبنان، وبين شروط الصندوق، إلا لجهة وتيرة نهب المجتمع وكيفية تحويله إلى عامل مستدام في إنتاج الثروة للآخرين.



