خاص – الدولار في ظل الصراعات الدولية الكبرى.. كيف تعزز القوة العسكرية مكانته العالمية؟

– رئيس تحرير وناشر موقع Leb Economy الفونس ديب

تشهد الساحة الدولية تطوّرات جيوسياسية متسارعة تعيد خلط الأوراق، وتوحي بأنّ العالم يقف على أعتاب نظام دولي جديد. فمن الحرب المفتوحة بين روسيا وأوكرانيا، إلى التوتر المتصاعد بين الصين وتايوان، مرورًا بالشرق الأوسط والمواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ووصولًا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، حيث تعود فنزويلا إلى دائرة النفوذ الأميركي، فضلًا عن الاهتمام المتزايد بمناطق استراتيجية مثل غرينلاند وكندا.
بالتوازي مع هذا الحراك السياسي والعسكري، يتحرّك المشهد الاقتصادي بأدواته المختلفة، متأثرًا بشكل عميق بهذه التحوّلات. وكان من أبرز المتضرّرين أسواق المعادن والعملات المشفّرة، التي عكست تقلباتها حجم القلق وعدم اليقين في النظام المالي العالمي.
صحيحٌ أنّ السياسة والصراعات العسكرية تخطف الأضواء، إلا أنّ ما يجري على المستوى الاقتصادي قد يكون الأشد تأثيرًا على موازين القوى لعقود مقبلة، خصوصًا في ما يتعلّق بالسيطرة على أدوات النفوذ المالي والتحكّم بمفاصل التجارة العالمية.
على مدى عقدين، ركّزت وسائل الإعلام العالمية على تراجع أداء الاقتصاد الأميركي وتفاقم مديونية الدولة، وذهبت بعض التحليلات إلى حدّ التنبؤ بانهيار الدولار. وقد عزّزت هذا الطرح خطواتُ تعميق التعاون بين دول مجموعة مجموعة البريكس التي تضمّ اقتصادات كبرى مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل، إضافة إلى توجه بعض هذه الدول نحو تقليص الاعتماد على الدولار في التبادل التجاري البيني.
غير أنّ التجارب التاريخية تشير إلى أنّ التفوّق العسكري كان غالبًا رافعةً للهيمنة الاقتصادية. وبما أنّ عنصر القوّة العسكرية المفرطة لا يزال في صالح الولايات المتحدة، فإنّ ما نشهده من أزمات وصراعات كبرى قد يُقرأ، من زاوية معيّنة، بوصفه إعادة تموضع تهدف إلى تثبيت السيطرة الأميركية على مفاصل الاقتصاد العالمي.
فقد عادت فنزويلا، التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، إلى بيع نفطها بالدولار. كما طُرحت مبادرات لبيع النفط الروسي بالدولار أيضًا، فيما أعادت دول كبرى مستوردة للطاقة، مثل الهند، تموضعها في سوق الطاقة بشرائها النفط الفنزويلي بدلاً من الروسي، بما يعيد تعزيز دور العملة الأميركية في تسويات النفط.
تكمن أهمية ذلك في ترسيخ مكانة الدولار كعملة مرجعية في تجارة النفط العالمية، ضمن ما عُرف تاريخيًا بمعادلة «البترودولار»، التي شكّلت أحد أعمدة الهيمنة المالية الأميركية على المبادلات الدولية.
انطلاقًا من هذا المنظور، وطالما أنّ الولايات المتحدة تحتفظ بتفوّق عسكري قادر على حماية مصالحها وتسخير الموارد الاقتصادية العالمية لدعم اقتصادها، فإنّ الرهانات على انهيار الدولار تبدو، في المدى المنظور، مبالغًا فيها. فالاقتصاد والسياسة والقوّة العسكرية تظلّ عناصر متشابكة في معادلة الهيمنة الدولية، يصعب الفصل بينها عند قراءة المشهد العالمي الراهن.
بالمحصلة، الدولار ليس مجرد عملة… بل هو انعكاس لقوة دولة كاملة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.



