عن عملية تسديد الجزء النقدي من الودائع (الاخبار ٢٢ كانون الثاني )

بعد تشرين الأول 2019، قام مصرف لبنان باتخاذ إجراءات استثنائية لتسديد تدريجي للودائع بالعملات الأجنبية وفقاً لأحكام التعميمين الأساسيين 158 و166. كما إنه شارك في صياغة القانون الرقم 23 تاريخ 14 آب 2025 المتعلق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها من جهة، وفي صياغة مشروع القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع الذي أحيل إلى مجلس النواب بموجب المرسوم الرقم 2224 تاريخ 29 كانون الأول 2025 من جهة أخرى.
وجاء في المادة التاسعة من هذا المشروع: «يتم تمويل تكلفة التسديد في المرحلة الأولى للودائع بالمشاركة بين مصرف لبنان والمصارف وفقاً لمعايير وقواعد يحددها مصرف لبنان، على ألا تتعدى حصة مصرف لبنان الإجمالية 60% من الدفعات النقدية من المبالغ المتوجبة للمودعين بعد الأخذ في عين الاعتبار أوضاع السيولة في المصارف المنوه عنها واحتساب التوظيفات الإلزامية للمصارف».
وبالتالي، سيتوجب على مصرف لبنان إدارة السيولة لتأمين دفع الجزء النقدي من الودائع وفق الآلية المحددة في المقطع «ثانياً» من المادة الثامنة من هذا المشروع، مع الإشارة إلى أن حصة مصرف لبنان الإجمالية قد تتراوح ما بين 10 و12 مليار دولار أميركي على فترة أربع سنوات.
الجدول الزمني المقترح لتسديد الجزء النقدي من الودائع
تم تقسيم الودائع في هذا المشروع إلى أربع فئات:
– الفئة الأولى: الودائع الصغيرة التي تقل قيمتها عن مئة ألف دولار أميركي.
– الفئة الثانية: الودائع المتوسطة التي تفوق مبلغ مئة ألف دولار أميركي وتصل لغاية مبلغ مليون دولار أميركي.
الفئة الثالثة: الودائع الكبيرة التي تفوق مبلغ مليون دولار أميركي وتصل لغاية مبلغ خمسة ملايين دولار أميركي.
– الفئة الرابعة: الودائع الكبيرة جداً التي تفوق مبلغ خمسة ملايين دولار أميركي.
وفي ما يتعلق بكيفية دفع مبلغ المئة ألف دولار أميركي، نص المشروع على: «تُسدد بالدولار الأميركي شهرياً أو فصلياً، وذلك وفقاً لاختيار صاحب الحساب، على مدى أربع سنوات، وذلك خلال شهر من تاريخ نفاذ هذا القانون. وعلى أن تودع في حسابات حرة تستعمل بموجب شيكات أو حوالات مصرفية أو بطاقات ائتمانية أو من خلال أي وسيلة دفع إلكتروني، كما يمكن استخدامها في الصراف الآلي، وذلك وفقاً لتعاميم تصدر عن مصرف لبنان. وعلى أن لا تقل في جميع الأحوال قيم السحوبات الشهرية أو الفصلية عن ألف وخمسمئة دولار أميركي شهرياً».
وكان الحاكم كريم سعيد قد أعلن في بيان صدر في 23 كانون الأول 2025، أي قبل إقرار الحكومة للمشروع إلى «أن الجدول الزمني المقترح لسداد الجزء النقدي من الودائع يعد طموحاً إلى حد ما، ويمكن، عند الاقتضاء، تعديله من دون المساس بحقوق المودعين، وذلك بهدف ضمان انتظام المدفوعات واستمراريتها واستكمالها بالكامل على مدى الزمن».
وقد حدد مجلس الوزراء الجدول الزمني للتسديد بأربع سنوات. إنما وفي عملية حسابية سهلة، يمكن الاستنتاج أن دفع المئة ألف دولار أميركي سيستغرق حوالى خمس سنوات وستة أشهر في حال لم يتم رفع مجموع السحوبات الشهرية سنوياً من 18 ألف دولار أميركي (ألف وخمسمئة دولار أميركي شهرياً وعلى مدى 12 شهراً) إلى 25 ألف دولار أميركي.
وهنا نسأل: هل سيرفع مصرف لبنان عبر تعاميم جديدة قيم السحوبات الشهرية إلى أكثر من ألف وخمسمئة دولار أميركي، لكي يتم دفع مبلغ المئة ألف دولار أميركي على مدى أربع سنوات؟
الجواب عند الحاكم كريم سعيد والمجلس المركزي.
متى تبدأ عملية دفع المئة ألف دولار أميركي؟
يبدأ دفع مبلغ المئة ألف دولار أميركي بعد شهر من تاريخ نفاذ هذا القانون لكل فئات الودائع المذكورة أعلاه، وهو يتناقض مع ما ورد في مقدمة المقطع «ثانياً» من المادة الثامنة من هذا المشروع: بعد تنقية الحسابات المذكورة في المادة الخامسة أعلاه وتصحيحها، تسدد أرصدة الودائع في حسابات المصارف.
وهنا نسأل: في أي تاريخ يبدأ دفع مبلغ المئة ألف دولار أميركي؟ بعد تنقية حسابات الودائع من الأصول غير المنتظمة وتصحيحها أو بعد شهر من نفاذ هذا القانون؟ علماً أن عملية التنقية ستستغرق على الأقل ستة أشهر. الجواب عند الحاكم كريم سعيد والمجلس المركزي.
كيفية استعمال المبلغ المدفوع شهرياً؟
وفقاً للمقطع «ثانياً» من المادة الثامنة من المشروع، يسدد المبلغ بالدولار الأميركي ويوضع في حساب حر يستعمل بموجب شيكات أو حوالات مصرفية أو بطاقات ائتمانية أو من خلال أي وسيلة دفع إلكتروني كما يمكن استخدامها في الصرّاف الآلي، وذلك وفقاً لتعاميم تصدر عن مصرف لبنان.
نشير الى أن التعميم الأساسي 158 نَصَّ على دفع مبلغ ألف دولار أميركي شهرياً على الشكل التالي: 800 دولار أميركي نقداً (Banknotes) و200 دولار أميركي بواسطة البطاقات المصرفية تستعمل على أجهزة نقاط البيع (POS) حصراً. أما بالنسبة إلى التعميم الأساسي الرقم 166، فالمبلغ المدفوع نقداً هو 400 دولار أميركي و100 دولار أميركي بواسطة البطاقات المصرفية.
وهنا نسأل: هل المطلوب من الناس فتح حسابات جديدة في مصارف لم تعد تثق بها؟ علماً أن نسبة السكان الذين لديهم حسابات مصرفية جديدة (fresh) قليلة جداً حالياً.
ونسأل أيضاً: هل سيتم دفع مبلغ بالدولار الأميركي نقداً (Banknotes) من أصل المبلغ الذي لن يقلّ عن ألف وخمسمئة ألف دولار أميركي شهرياً؟ الجواب عند الحاكم كريم سعيد والمجلس المركزي.
هل يسمح مشروع القانون بإعادة جدولة التسديد؟
نعم. يمكن في حالات استثنائية القيام بإعادة جدولة التسديد بناء على قرار يتخذ في مجلس الوزراء بعد اقتراح وزير المالية، في ضوء تطور الوضع الاقتصادي والمالي العام في لبنان (المقطع «ثالثاً» من المادة الثامنة من مشروع القانون).
وقد أكد الحاكم في المؤتمر الصحفي الذي عقده في 8 كانون الثاني 2026 أن الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية التي باشر بها مصرف لبنان تهدف حصراً إلى استعادة موجودات مصرف لبنان وتوفير السيولة اللازمة لسداد حقوق المودعين.
وهنا نسأل: هل يمكن اعتبار عدم البت بالدعاوى التي يكون مصرف لبنان قد باشر بها في القضاء اللبناني أو في الخارج من الحالات الاستثنائية التي تستوجب جدولة إعادة التسديد؟ الجواب عند الحاكم كريم سعيد والمجلس المركزي.
تأمين السيولة لدفع الجزء النقدي من الودائع
دعم الرئيس جوزاف عون وصول كريم سعيد إلى مركز حاكم مصرف لبنان في نهاية آذار 2025. بعد ذلك، نزل الرئيس شخصياً إلى مصرف لبنان لتأكيد دعمه لكريم سعيد.
سيظل الناس يتذكرون هذين الموقفين للرئيس جوزاف عون لإيمانه أن كريم سعيد ركيزة أساسية في نجاحه في بناء دولة قوية. وسيظل الناس يتذكرون ما ورد في خطاب القسم: «عهدي أن أتمسك بالحفاظ على الاقتصاد الحر والملكية الفردية، اقتصاد تنتظم فيه المصارف تحت سقف الحوكمة والشفافية، مصارف لا حاكم عليها سوى القانون ولا أسرار فيها غير السر المهني، وعهدي أن لا أتهاون في حماية أموال المودعين».
في المقابل، سيظل الناس يتذكرون مشاركة مصرف لبنان في صياغة مشروع القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع الذي لم يحافظ على الملكية الفردية من جهة ولم يساعد على إعادة الثقة بمصرف لبنان وبالمصارف من جهة أخرى.
وسيظل الناس يتذكرون أن مصرف لبنان استمر، منذ تعيين كريم سعيد حاكماً، في عمليات شراء عملات أجنبية من المصارف اللبنانية على أساس سعر 15 ألف ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد (القرار الوسيط الرقم 13562 تاريخ 5 تموز 2023 الصادر بموجب التعميم الوسيط الرقم 673). وسيتذكرون أيضاً أن الحاكم كريم سعيد لم يتمكن من تغيير هذا السعر واعتماد سعر منصة صيرفة البالغ 89,500 ليرة لبنانية منذ كانون الأول 2023.
مع الإشارة إلى أن العملات الأجنبية المشتراة، وفقاً للمادة الأولى من القرار الوسيط المذكور أعلاه، هي تلك «الناتجة من السحوبات أو عمليات الصندوق نقداً التي يطلبها أي عميل (شخص طبيعي أو شخص معنوي) من الحسابات أو من المستحقات العائدة له بالدولار الأميركي أو بغيرها من العملات الأجنبية والتي يتم تسديدها، بموافقة العميل المعني، بالليرة اللبنانية».
المطلوب من الحاكم كريم سعيد التفكير خارج الصندوق (out of the box) وإيجاد الحلول المناسبة لتأمين السيولة «بهدف ضمان انتظام المدفوعات واستمراريتها واستكمالها بالكامل على مدى الزمن» كما ورد في البيان الذي صدر عنه في 23 كانون الأول 2025، مع الإشارة إلى أن الناس لا يمكنهم الانتظار «مدى الزمن» للحصول على هذا الجزء الصغير من ودائعهم.
ربح رياض سلامة لقب «حاكم مصرف لبنان» في آب 1993 وترك منصبه في تموز 2023 من دون أن يتمكن من المحافظة على الألقاب الكثيرة التي حصل عليها في مسيرته التي استمرت 30 سنة في مصرف لبنان.
بعده، ربح كريم سعيد لقب «حاكم مصرف لبنان» في آذار 2025 مع الأمل أن يتمكن من تسديد الجزء النقدي من الودائع في أسرع وقت ممكن وقبل نهاية ولايته في 4 نيسان 2031 من دون أن يضطر إلى الطلب من مجلس الوزراء إعادة جدولة التسديد.
*عضو سابق في لجنة الرقابة على المصارف



