ما هي الصلاحية القانونية لفرنسا في إصدار عقوبات؟

كتبت كلوديت سركيس في صحيفة “النهار”:
مضى أكثر من أسبوع على المهلة التي قطعها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للمسؤولين في لبنان لإيجاد حل للأزمة الحكومية من خلال المبادرة الفرنسية التي أطلقها بعدما تعثرت في مرحلة أولى بإعلان الرئيس المكلف مصطفى أديب إعتذاره عن تشكيل الحكومة. وفيما برز إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري إتفاق – الاطار لترسيم الحدود البحرية، غاب أي مؤشر عن تحرك سياسي في اتجاه استشارات نيابية جديدة. وبإزاء المراوحة وانقضاء المهلة الفرنسية، هل يمكن باريس أن تسلك الطريق الأميركي في فرض عقوبات على لبنان؟ وما مدى الصلاحية القانونية الفرنسية في إصدار عقوبات كهذه؟
يؤكد المحامي في القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير أنه “يمكن فرنسا والإتحاد الأوروبي عموما فرض إجراءات تعتبر بمثابة عقوبات مالية أو تجارية تجاه أشخاص أو شركات أو مؤسسات أو منظمات أو أحزاب أو كيانات معيّنة. وتتخذ هذه الإجراءات أشكالاً عدة منها منع الحصول على تأشيرة دخول أو منع الدخول اليها أو إلى الإتحاد الأوروبي، ومنع الإتجار ببعض الصناعات ومنها التكنولوجية وكذلك بعض الخدمات، إضافة إلى إجراءات تجميد الحسابات والمصادر الإقتصادية وأحيانا المنع الكلي من الدخول إلى سياق الخدمات المالية”. ويقول صفير لـ”النهار”: “لفرنسا أن تفرض نوعاً من الإجراءات بمثابة عقوبات بحق أشخاص أو كيانات في حال تطابقها مع القوانين الفرنسية عند خرق هذه القوانين والقوانين الدولية في آن، إن لجهة تشجيع الإرهاب أو الإتجار بالبشر وتهم الفساد وتبييض أموال واستثمار السلطة في بعض الأحيان، وذلك عندما يكون للمعنيّ بالعقوبات صلة مع فرنسا سواء بوجود ملكية له فيها أو تربطه صلات إقتصادية أو مالية، أو لديه حسابات في مصارف فرنسية، أو عند وجود ارتباط بين الدولة الفرنسية والدولة التي يكون فيها هذا الشخص مواطنا أو عاملا فيها. ويعود لها أيضا أن تفرض عقوبات عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني الفرنسي وأمانه في شكل عام”.
لمَّح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته الى لبنان في إطار المبادرة الفرنسية، إلى فرض عقوبات على كيانات معرقلة. فما المقصود بذلك؟ يجيب صفير انه “يمكن الدول أن تمارس سيادتها من خلال فرض عقوبات. لقد جرى فرض عقوبات وإجراءات في حق من قام بجريمة 14 شباط 2005 باغتيال الرئيس رفيق الحريري، إنما لا يمكن المبادرة الفرنسية أن تشكل في ذاتها نوعا من سبب قانوني لفرض عقوبات، لكن هناك أمورا أخرى يمكن أن تفتح مجال باب العقوبات بسبب فشل المبادرة في حق أشخاص تبين للسلطات الفرنسية إرتكابهم جرائم تعاقب عليها القوانين الفرنسية والدولية، تتصل بالفساد أو الإثراء غير المشروع أو استثمار السلطة وتهريب أموال وما إلى ذلك”. وتبعاً لهذا التوصيف يضيف: “يمكن فرنسا أن تتخذ هذه الإجراءات التي تتبع السيادة الفرنسية، وللمتضرر أن يداعي الدولة الفرنسية أمام محاكمها لبيان صحة الوقائع المدلى بها من السلطات أو عدمها، والتي على أساسها بنيت العقوبات في حق أشخاص أو أحزاب أو مجموعات أو منظمات أو كيانات من أي نوع”. ويمكن هذه الإجراءات، في رأيه، “أن تصل إلى مكان إذا كان الشخص الذي وقعت العقوبات في حقه من خلال ممتلكاته في فرنسا أو أموال أو مصالح معينة تمر عبر القنوات المالية والتجارية فيها. فما تقوم به فرنسا يؤثر في شكل واضح على الإتحاد الأوروبي باعتبار أن هناك بعض المسائل التي تتخذ فيها دول الإتحاد الأوروبي قرارات وإجراءات تعمم على كل دول الإتحاد. لذا هذا الموضوع ليس سهلا، وربما لم نعتد على نوع من عقوبات فرنسية عادة في حق لبنانيين بسبب العلاقات مع فرنسا ودورها كوسيط دائم وداعم للبنان في حل النزاعات سلميا، ربما قد تكون لها إنعكاسات أخرى. علينا أن ننتظر ما مدى العقوبات إذا كان من عقوبات”.
ويذهب الأستاذ في القانونين الدولي والدستوري الدكتور أنطوان سعد الى أن “دولاً كثيرة منحت نفسها صلاحيات خارج إقليمها ومنها فرنسا. لقد مارست أميركا سياسة أخرى غير السياسة العسكرية هي السياسة الإقتصادية كون العالم كله مرتبطاً بالنظام النقدي الأميركي في الغالب. وأصدرت عقوبات بدأت بإعطاء نتائج، وفرنسا اليوم على تنسيق كامل بهذا الموضوع. وكانت طلبت من السلطات الأميركية فسحة لتحاول تجربة الإنتقال بالسلطة من حالة الغرق التي آل إليها لبنان إلى نوع من الإنقاذ، وتعمل على تخفيف العقوبات، كما أن الأطراف المعنيين في لبنان باشروا الإتصالات معها ومع أميركا في موضوع فرض العقوبات”. وأكد سعد “حق فرنسا في ممارسة سياسة العقوبات الخارجية، إذ لا يمكن التعامل بالدولار وفي الوقت نفسه ممارسة الإرهاب. والحال نفسها تنطبق على من يتعامل بالين الياباني ويمس بسيادته، والبريكست الذي حصل على حساب الإتحاد الأوروبي يمكن أن يصل إلى المحكمة الأوروبية، وقد تؤدي إلى فرض مسؤولية مالية على بريطانيا. إذاً إن أمر فرض العقوبات متاح لفرنسا”. ويعتبر “أن ممارسة سياسة العقوبات هي سلاح مفيد يؤدي إلى نتائج أفضل من العمليات الحربية ربما، إضافة إلى حق كل دولة في حماية مصالحها. صحيح أن هناك إتفاقات قضائية بين الدول، لكن دولا كثيرة تجاوزت مسألة السيادة الإقليمية في العمل القضائي، واتخذت تدابير في حق أشخاص خارج حدودها في قضايا الإرهاب في سوريا والعراق وايران ولبنان وفنزويلا”.
ويرى أن “مهلة الأسابيع الستة التي أعطاها الرئيس الفرنسي للخروج بحل حكومي لن تؤدي إلى نتيجة لأنه لم يحصل أن تنازل حزب الله على حساب إضعاف نفسه سياسيا أو عسكريا”، مشيرا الى أن الإتحاد الأوروبي الممثل بفرنسا في هذه المبادرة “يمكن أن يؤثر على الطبقة السياسية بتجميد حسابات مالية بالأورو، مثلما تؤثر أميركا على موجوداتها بالدولار. فكل الأنظمة التي يوجد تعاون في ما بينها ومنها الأوروبية بما فيها سويسرا التي ترفع السرية المصرفية في حال صدور أحكام في شأنها، وكذلك تجميد حسابات مالية. وقد طبق لبنان هذا النوع من الإجراءات”. ولا يرتقب سعد صدور عقوبات فرنسية في حق مسؤولين لبنانيين لأنه “لم يسبق لفرنسا أن اتخذت تدابير من هذا النوع، ولا تجربة سابقة لها على هذا الصعيد”، مرجحا أن يكون ما لمَّح ماكرون إليه “عنى به العقوبات الأميركية التي تصدر تباعا بالتوافق معه، وآخرها تلك التي طاولت 20 محاميا توكّلوا عن شركات على صلة بحزب الله”.



