أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

العم فضول… حارس حرفةٍ تصارع الاندثار في النبطية (نداء الوطن ٥ كانون الثاني )

في حارة المسيحيين في النبطية، ما زال العم فضول جفال يعمل في مهنة تصليح الأسلحة، حرفة بدأها قبل أكثر من خمسين عامًا، ولا يزال يمارسها حتى اليوم.

ابن التسعين عامًا، الذي أنهك التعب جسده النحيل، لم يتقاعد من مهنته. يمضي ساعات طويلة داخل محترفه الصغير في بيته العتيق في الحارة، تلك الحارة التي غادرها معظم أهلها إبّان الاحتلال الإسرائيلي، ولم يعودوا منذ ذلك الحين، فبقيت غالبية منازلها مقفلة ومهجورة. غير أن العم فضول فضل البقاء في حارته التي عاش وترعرع فيها.

بين تصليح أسلحة الصيد وتجديد بعضها يتمحور عمله الذي يعشقه. فهو، كما يقول: «منذ صغري وأنا أهوى هذا العمل. لم أتعلمه في مدرسة، بل عشقته وعملت به، وأبدعت في صناعة أي سلاح صيد بكل تفاصيله|.

««النابغة»، كما يحلو له أن يصف نفسه، يصارع اليوم من أجل البقاء، ومن أجل الحفاظ على مهنة لم يتعلمها جيل اليوم، لأنه، بحسب قوله، «جيل يريد كل شيء جاهزًا من دون تعب، لا يسعى لاكتساب مهارات حرفية. الحرف القديمة لا تجد من يطرق بابها، لكنني لن أتخلى عنها حتى أموت، سأبقى أعمل طالما أملك طاقة».

بين عدّته المرتبة بعناية، وآلاته التي تساعده في عمله، وأسلحة تحتاج إلى صيانة وتجديد، يعمل العم فضول من دون كلل أو تعب، ويرى في عمله «متعة وحياة لا تهدأ، بل تتجدّد الروح معها».

في اعتقاده أن «الحرفة تمدّه بالقوة»، وفي مفهومه أن «الإبداع الذي يرافق صناعة بندقية صيد أكلها الصدأ هو التألق بعينه».

خلف تجاعيد وجهه تختبئ قصص رجل يصارع من أجل البقاء. لم تحظَ حرفته بأي دعم، ولم يزره أي مسؤول للتعرّف إلى مهنة تُعدّ من الحرف التراثية في لبنان. يقول بأسى: «الحرفي لا يحظى بدعم، بعكس الحرامي الذي تُعطى له كل الحقوق». حتى قانون الشيخوخة لم يطرق بابه، وهو القانون الذي ينادي به كل حرفي اليوم ليساعده على الصمود في مواجهة تداعيات الحياة.

يحمل مبرد الحديد، ويمضي في صناعة الخشب الخاص بالبندقية، مؤمنًا بأن «ما يصنعه مميّز ولا أحد يصنع مثله». يتقن عمله بدقة وحرفية عالية، ورغم تقدّمه في السن، لا يزال يعمل، غير أن عمله تراجع بشكل كبير بسبب تداعيات الحرب. «كان الناس يخرجون للصيد بكثرة، أما اليوم فمن يجرؤ على الصيد في ظل سيطرة المسيّرات على الأجواء؟»، مشيرًا إلى أن ذلك أدّى إلى تراجع الطلب على عمله.

العم فضول هو الحرفي الوحيد في جنوب لبنان الذي ما زال يعمل في هذه المهنة، وقد علّمته، كما يقول، «تحدّي الظروف والابتكار». بل يذهب أبعد من ذلك حين يؤكد أن «تصليح الأسلحة مرتبط بالكيمياء أيضًا، فطلاء الحديد وتصحيحه يحتاج إلى معادلات كيميائية أضعها وأطبّقها، وهذه هوايتي التي تشكّل الروح والحياة والأمل».

يأسف لغياب الاهتمام الحكومي بحرفيي لبنان، الذين يشكّلون خارطة سياحية وتراثية مهمة. فـ «في كل دول العالم يُكرَّم الحرفي، إلا في لبنان حيث يُترك على الهامش ليصارع الموت، فتموت معه حرفته والتاريخ والتراث معًا».

يقدّم العم فضول صورة مصغرة عن إصرار كبار السن على مواجهة الحياة بحرفٍ تشكّل جزءًا من هوية الجنوب، حرفٍ تحتاج إلى من يدعمها لتبقى حيّة وحاضرة.

بواسطة
رمال جوني
المصدر
نداء الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى