أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

إصلاح الشراء العام على سلَّم الأولويات الدولية بعد الطاقة والقضاء

كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة “النهار”:

يشكل الشراء العام أحد أبرز الإصلاحات الرئيسية المشتركة العابرة للقطاعات والتي التزمتها الحكومة اللبنانية في مؤتمر “سيدر”، من أجل تحسين الحوكمة المالية وجودة الخدمات العامة، وتشجيع تدفّق الاستثمارات، وتعزيز المساءلة والشفافية.

فالمجتمع الدولي اعتبر أن إصلاح الشراء العام في لبنان هو الاصلاح الرقم 3 على سلَّم الأولويات بعد إصلاح قطاعَي الطاقة والقضاء، وقد شدد عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على نحو لافت خلال اجتماعاته الأخيرة وفي جلسات عمله. والمعروف عالمياً أن إصلاح منظومة الشراء العام يُعدّ عملية صعبة ومعقدة لأنها عملية إصلاحية شمولية على مستوى الدولةwhole-of-government reform.

وبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، أعاد المجتمع الدولي تأكيد ذلك لمواجهة الازمات الاقتصادية والمالية وتحسين الحوكمة المالية والمساءلة واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وتؤكد رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي لميا المبيض لـ”النهار” أن “ثمة فرصاً هائلة في سوق الشراء العام للعمل والمنافسة والابتكار، ولكنها غالباً ما تكون حكراً على قلّة قليلة تدخل جنته”.

وفيما يكثر الحديث عن مدى فساد منظومة الشراء العام في لبنان وكيفية استغلاله من السلطة المستحكمة لتوفير مصادر تمويل غير شرعية لها، إلا انه عند وضع الإصبع فإن الصعوبة تكمن في تحديد مواطن الخلل وتقدير حجمه، وفق ما توضح المبيض.

مسح MAPS الذي نُفّذ بمساندة تقنية من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية، وبمؤازرة من فريق تنسيق وطني من معهد باسل فليحان (بصفته المنسّق الوطني للمسح)، حاول القيام بهذا الأمر، فعمدت الجهات الداعمة الى استقطاب خبيرين استشاريين دوليين لتسهيل تنفيذ المسح والتأكد من ملاءمته مع متطلبات المنهجيّة الدوليّة وإرشاداتها.

وتؤكد المبيض ان فريق العمل واجه معوقات عدة أبرزها صعوبة الوصول إلى المعلومات المنسقة والمعطيات الكمية حول عقود الشراء لتحليلها في شكل معمق، وذلك نظراً الى غياب اعتماد الأرشفة الالكترونية واتاحة البيانات المفتوحة، علماً أن هذا المسح، وفق المبيض، “مبني على منهجيّة دوليّة وضعتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، وقد اعتمدتها أكثر من 90 دولة لتبني عليها مساراً اصلاحياً طويلاً وشاقاً لتحديث منظومة الشراء العام وزيادة فعاليته والحدّ من فساده وتوسيع مروحة مشاركة اكبر عدد من اللاعبين الاقتصاديين في سوق الشراء العام بناء على مبدأي التنافسية والفعالية”.

المسح أضاء على الواقع وبيَّن مكامن الخلل على كل المستويات، وقرن التحليل بمعطيات علميّة تشاركها الجهات الوطنية المعنية.

بحسب تقديرات معهد باسل فيلحان، لا يقل حجم الشراء العام في لبنان )كلّ ما تشتريه الدول من مواد وأشغال وخدمات فكريّة وغيرها) عن20 % من النفقات العامة على المستوى المركزي )لا تتضمّن التقديرات الشراء في المؤسسات العامة والبلديات واتحاداتها)، و6.5% من الناتج المحلي الاجمالي (نحو 3.4 مليارات دولار) على المستوى المركزي.

وتَعتبر الجهات الدولية أن منظومة الشراء العام في لبنان ذات جودة متدنية مقارنة مع مثيلاتها في بلدان المنطقة العربية وفي العالم. وتشير التقديرات الى أنّ تحديث هذه المنظومة من شأنه أن يحقّق وفراً سنوياً بقيمة 500 مليون دولار، ويتيح دخول لاعبين جدد، بما يزيد من تنافسية الاقتصاد ويحد من الاحتكار ويزيد من هامش الإنفاق الاستثماري للدولة ويحسن نوعية الخدمات المقدّمة للمواطنين وكذلك فرص مشاركة المؤسسات المتوسطة.

نتائج MAPS
نتائج مسح MAPS الذي صدر في تقرير خاص (تموز 2020)، جاءت أسوأ بكثير من المتوقع، إذ أشارت الى أنّ منظومة الشراء العام في لبنان متهالكة وتعاني من ثغرات جوهرية على كل المستويات، بما يعوق عملها ويزيد من مخاطر هدر المال العام، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات المعنية، وتفشي الفساد، وتدهور جودة الخدمات العامة.

فمن أصل 210 معايير جرى تقويم المنظومة على أساسها، سجل لبنان تطابقاً كلياً في 9 معايير فقط، اي بنسبة 5%. في المقابل حُدد 120 معياراً غير مطابق للمعايير الدولية، و71 معياراً مطابقاً تطابقاً جزئياً.

في سياق التقويم، جرى تحليل الواقع الوطني على نحو يوضح مدى ارتباط الشراء العام بالأهداف السياساتية للدولةPOLICY والجدوى منه، وعلاقته بالمالية العامة، وتبين ضعف الرابط حيث إن عمليات الشراء قلَّما ترتبط بالأهداف السياساتية لا برؤية متوسطة الأجل للإنفاق ولا تقيم اعتبارا لمبدأ الدمج مع الموازنة، فيتقرر مثلاً خلال السنة الإنفاق على عمليات شراء لم تُلحظ أصلاً.

دلت نتائج المسح بالإجمال على ثغرات كبيرة تقتضي عملا طويلا وممنهجا يطاول الأركان الأربعة للمنظومة وهي: الاطار القانوني والتنظيمي والسياساتي، الإطار المؤسسي والقدرة الإدارية، عمليات الشراء وممارسات السوق، وأخيراً المساءلة والنزاهة والشفافية.

من أبرز توصيات التقرير: على المستوى القانوني والتنظيمي
إعداد وإقرار قانون شراء عام شامل وحديث واستكماله بمجموعة كاملة ومتجانسة من المراسيم التطبيقية، قابلة للتطبيق على كلّ الجهات الشارية احتراماً لمبدأ الشمولية.

توفير مجموعة إجراءات حديثة تتناسب مع طبيعة العقود وقيمتها، ووضع توجيهات معيارية ونموذجية كدفاتر الشروط النموذجية والنماذج الموحّدة وغيرها.
رفع مستوى الشفافية وتحسين الفعالية وخفض الكلفة عبر اعتماد الشراء الإلكتروني.

اعتماد المبادئ الرئيسية للشراء العام المستدام والتدابير الهادفة الى تطبيقه.

على المستوى المؤسساتي والقدرات
تحسين عملية دمج الشراء العام في الإدارة المالية العامة من أجل ضمان إدراج كل الالتزامات المالية للدولة في موازنتها.

تضمين قانون الشراء العام تعاريف لوظائف وضع السياسات، وبتّ الشكاوى، والمشورة التقنية، والتخصص والتدريب الالزامي والمستمر، وغيرها.

تخصيص وحدة للشراء العام ضمن الهيكل التنظيمي للجهات الشارية وتوفير جهاز بشري وموارد من داخل الإدارة.

إنشاء منصة إلكترونية مركزيّة تتيح النشر والوصول إلى المعلومات والبيانات المفتوحة للجميع.

على مستوى عمليات الشراء وممارسات السوق:
تطوير وتطبيق مقاربات لتخطيط وإعداد وتنفيذ وتقويم عمليات الشراء العام من خلال مقاربة الأداء.

إنشاء آلية رسمية تتيح مشاورات منتظمة بين القطاعين العام والخاص.

تحديد العوائق التي تواجه المؤسسات، ولاسيما منها الصغيرة والمتوسطة، للمشاركة في الشراء العام، والعمل على معالجتها.

على مستوى المساءلة، النزاهة والشفافية:
– إنشاء نظام فعّال لتقديم الشكاوى وبتها وتعزيز الاستجابة المبكرة وتطبيق الخطوات التصحيحية الفعّالة بسرعة، والسماح بالإبلاغ عن عدد الشكاوى وطبيعتها من دون أي تأخير.

– ازالة الثغرات والتداخلات في الأنظمة وتعارُض الأدوار بين مؤسسات الرقابة والجهات الأخرى في المنظومة.

– بلورة آليات لتعزيز التشاور مع المجتمع المدني ومأسستها.

– ضمان توفير البيانات المتعلقة بالمساءلة والنزاهة والشفافية وتجميعها وإتاحتها للجمهور ومراقبة استخدامها.

يعالج اقتراح قانون الشراء العام الذي تتم مناقشته حاليا في اللجنة الفرعية البرلمانية منذ حزيران 2020، معظم الثغرات القانونية والمؤسسية والاجرائية التي حددها مسح MAPS الذي يشكل ونتائجه قاعدة صلبة يصار إلى العودة إليها والاسترشاد بمعطياتها.

يتميز اقتراح القانون بكونه قانونا اجرائيا مبنيا على ثمانية مبادىء مستقاة من المبادىء الـ 12 التي حددتها منظمة التعاون والتنمية OECD وهي: مبادئ الشمولية، والدمج في الموازنات، والمساءلة، والفعالية والمنافسة، والنزاهة، والشفافية، والتخصّص، والاستدامة. وقد انعكست هذه المبادىء في نصوص المواد القانونية، علماً أن نص الاقتراح مبني أصلاً على نموذج دولي معترف بنجاحه وهو قانون الـUNCITRAL النموذجي.

وقد تم إعداد اقتراح القانون ومراجعته من مجموعة ضمت 13 خبيرا وطنيا ودوليا، حيث اعتمدت صياغته مقاربة علمية شملت مراجعة نصوص مشاريع القوانين المقترحة سابقا، قانون الأونسيترال النموذجي للاشتراء العمومي (2011)، وتوصية مجلس منظمة الـOECD بشأن المشتريات العامة (2016)؛ ودراسة مقارنة لقوانين الشراء العام في عدد من الدول العربية أبرزها الأردن ومصر وفلسطين وتونس؛ وذلك بمساندة تقنيّة من خبراء OECD-SIGMA.

وأوصى مسح MAPS بمتابعة المشاورات الوطنية، بمواكبة الجهات الدولية الداعمة لهذه الجهود، بهدف بلورة استراتيجية وطنية لا تقتصر على النصوص القانونية، على أهميتها، بل تؤمّن استدامة العمليّة الاصلاحية وملاءمتها للمعايير الدوليّة والممارسات الجيدة، على أن تعرض على مجلس الوزراء تمهيداً لإقرارها، بالطبع بعد ولادة الحكومة المنتظَرة. وعلى هذه الرؤية الاستراتيجية أن تحدد أهداف السياسات والخطوات العملية لضمان حسن تطبيق قانون الشراء العام بعد إقراره،

وأن تتضمن تطوير الارشادات العملية والأدلة المرجعيّة والنماذج الموحدة ودفاتر شروط نموذجيّة بالاعتماد على مسار تشاوري مع الجهات المعنيّة، يليه إقرار مرسوم يقضي بإلزامية استخدامها على كل المستويات الحكوميّة، مركزياً ومحلياً. كما تشمل تنفيذ برامج تدريبيّة لكافة المعنيّين؛ اضافة إلى تطوير المنصّة الالكترونيّة المركزيّة للشراء العام لتسهيل الوصول،على نحو سريع ومن دون أي كلفة، إلى كل المعلومات والمعطيات؛ وبلورة استراتيجيّة لتطوير الكفايات والقدرات واقرارها لتطوير مهنة الشراء وتعزيز التخصص في هذا المجال.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى