خاص – 2025 .. عام مليء بالفرص الاقتصادية التي لم يُحسن لبنان استثمارها!

مع اقتراب إسدال الستار على عام 2025، يخرج الاقتصاد اللبناني من سنة إضافية مثقلة بالأزمات، حاملاً في طيّاتها مفارقة صارخة بين وفرة الفرص وضآلة الاستفادة منها. فعلى الرغم من التحولات الإقليمية والدولية التي فتحت نوافذ جديدة للنمو في قطاعات حيوية، بقي لبنان أسير إدارة الأزمات رازحاً تحت وطأة استمرار الاعتداءات الاسرائيلية.
وبين الانكماش الاقتصادي، وتآكل الثقة، وغياب السياسات الفعّالة، تكشّف هذا العام كواحد من أكثر الأعوام دلالة على حجم الفرص الاقتصادية المهدورة، في وقت كان فيه الاقتصاد بأمسّ الحاجة إلى قرارات جريئة تعيد توجيهه نحو الإنتاج والاستدامة.
وفقاً لعميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا د. بيار الخوري “مع اقتراب نهاية عام 2025، يتبيّن أن الاقتصاد اللبناني أمضى عامًا إضافيًا في حالة إدارة أزمة لا في مسار تعافٍ فعلي. فالإنكماش الذي أعقب الانهيار النقدي وحرب 2024 لم يتحوّل إلى تصحيح بنيوي يعيد توزيع الموارد ويحفّز الإنتاج، بل استقر عند مستوى منخفض يعكس اقتصادًا ضعيف القدرة على توليد القيمة ومحدود القابلية على النمو”. ورأى الخوري ان “البيئة الاستثمارية بقيت محكومة بعدم الاستقرار السياسي وغياب القرار الاقتصادي الفعّال وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، ما أبقى لبنان خارج دوائر الاستثمار المنتج وحصر النشاط الاقتصادي في أنماط قصيرة الأجل تعتمد على الاستهلاك والتحويلات بدل البناء على قاعدة إنتاجية مستدامة”.

واعتبر انه “خلال عام 2025، برز بوضوح حجم الفرص الاقتصادية التي لم يُحسن لبنان استثمارها رغم توافر مقوماتها. وقطاع الطاقة المتجددة شكّل مثالًا صارخًا على ذلك، حيث أدى انهيار منظومة الكهرباء التقليدية إلى توسّع استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع من دون أن يترافق ذلك مع إطار تنظيمي أو استثماري قادر على تحويل هذا التحول القسري إلى صناعة اقتصادية متكاملة.
وشدد على ان “هذا الواقع حرم الاقتصاد من فرص خلق سلاسل قيمة محلية ومن اجتذاب رساميل خضراء كان من الممكن أن تخفّف العجز الطاقوي وتدعم النمو”.
وقال الخوري: “في القطاع التكنولوجي، تكشّفت فجوة عميقة بين وفرة الكفاءات البشرية وضعف البيئة الحاضنة. فلبنان واصل تصدير رأس ماله البشري عبر الهجرة والعمل عن بُعد لصالح شركات خارجية، بدل تحويل المعرفة إلى نشاط اقتصادي منظم يخلق فرص عمل ويعزز الصادرات الخدمية. غياب التمويل، وانعدام الاستقرار التشريعي، وضعف البنية الرقمية، كلها عوامل أبقت الاقتصاد الرقمي خارج أي استراتيجية وطنية قابلة للحياة.
ولفت الى ان ” السياحة حافظت على حضورها بوصفها موردًا ظرفيًا للعملات الأجنبية، لكنها بقيت أسيرة نمط موسمي غير منظم يفتقر إلى تخطيط طويل الأمد. فالإمكانات الكامنة في السياحة البيئية والثقافية والطبية والريفية لم تتحول إلى منتجات اقتصادية قادرة على خلق دخل مستدام أو توزيع العائدات جغرافيًا واجتماعيًا. اما الزراعة بدورها لم تستفد من التحولات العالمية التي أعادت الاعتبار للأمن الغذائي، وبقيت محصورة في إطار إنتاج أولي ضعيف القيمة المضافة نتيجة غياب التصنيع الزراعي وسياسات التصدير الفاعلة”.
واكد الحوري ان ” هذه الفرص المهدورة تعود إلى منظومة عوائق متراكمة عطّلت قدرة الاقتصاد على التحول. ضعف الحوكمة الاقتصادية أبقى السياسات العامة في حالة جمود، والانهيار المالي أقفل قنوات التمويل وأعاق تراكم رأس المال المنتج، والبيروقراطية المرتفعة رفعت كلفة المبادرة والاستثمار، فيما ساهمت ركاكة البنية التحتية واضطراب البيئة الأمنية-الحربية في تعزيز مناخ المخاطر. فعلياً، هذه العوامل دفعت الاقتصاد إلى الانكماش ضمن دائرة ضيقة من النشاط النقدي والاستهلاكي، ومنعته من الانخراط في مسارات إنتاجية قادرة على توليد نمو فعلي”.
ورأى الخوري ان “إمكانات استعادة الفرص لا تزال قائمة إذا ما جرى التعامل معها بمنهج اقتصادي واقعي يركّز على إصلاحات قطاعية قابلة للتنفيذ بدل انتظار تحولات شاملة يصعب تحقيقها. وتوفير بيئات تنظيمية مرنة ومحفّزة للاستثمار يمكن أن يعيد ربط لبنان بالاقتصاد الإقليمي ويخفض كلفة المخاطر، فيما يتيح إعادة تعريف دور الدولة كمنظم وضامن للأسواق لا كمشغّل مباشر فتح مساحة أوسع للمبادرة الخاصة وتحسين كفاءة تخصيص الموارد.”
وقال الخوري: “في هذا السياق، يبرز دور القطاع الخاص والمجتمع المدني كعاملين أساسيين في إعادة تحريك الاقتصاد. المبادرات الخاصة أثبتت خلال سنوات الأزمة قدرتها على التكيّف والعمل ضمن بيئات معقدة حين تتوافر نماذج أعمال مرنة ورؤية طويلة الأجل. المجتمع المدني يمتلك بدوره قدرة مؤثرة على تعزيز الشفافية وبناء الثقة والضغط باتجاه سياسات أكثر عقلانية”.
وختم الخوري بالتأكيد على ان “حصيلة عام 2025 تؤكد أن التعافي في لبنان لن يكون نتيجة قرار مركزي واحد، بل مسارًا تراكميًا يبدأ بإدارة ذكية لما تبقّى من فرص قبل أن تتحول هي الأخرى إلى خسائر دائمة”.



