حرية… بلا سيادة واستقلال (نداء الوطن ٢٢ تشرين الثاني)

هل يمكن للبنان أن يحتفل بالذكرى الـ 82 للاستقلال فيما مقوّماته غائبة؟ قبل البحث في واقع لبنان، لا بدّ من العودة إلى التعريف الأساسي للاستقلال: “إنه حالة الأمة أو الدولة التي تتمتع بالحرية والسيادة الذاتية، وتتحكم في شؤونها من دون أي تدخل خارجي”. فهل يملك لبنان اليوم حرية القرار؟ هل يمارس سيادته كاملة؟ وهل تُدار قراراته من داخل حدوده لا من سفارات وجيوش وميليشيات؟
إن السؤال بحدّ ذاته يفضح المأساة. لبنان بلدٌ معروف تاريخيًا بتعدّد تدخلات الخارج فيه، إلى درجة أن أي قرار داخلي لا يمكن اتخاذه من دون حسابات دولية وإقليمية متشابكة. فأيّ استقلال نحتفل به، وأيّ عيد نقيمه، إن كان قرار السلم والحرب ليس بيد الدولة، وإن كانت السيادة تُستباح يوميًا، والدولة تُفرَغ من مضمونها؟
وأيّ استقلال نتغنى به وشعب لبنان ومؤسساته الإعلامية يُهدَّد كلّ يوم فقط لأنه تجرّأ على قول كلمة ضدّ “الحزب”؟ أيّ سيادة في بلدٍ يخاف أبناؤه التعبير عن رأيهم؟ أليس من أول شروط الدولة المستقلّة أن يمتلك مواطنوها حرية الكلام بلا خوف، وأن لا يُحاسب اللبناني على رأيه وكأنه ارتكب جريمة؟
استقلال يُنتزع ولا يُمنَح
الاستقلال لا يُعطى هبةً، بل يُؤخذ بالقوة. لكن لبنان اعتاد، منذ نهاية الانتداب الفرنسي، الاحتفال بالذكرى رمزًا وعرفًا، لا ممارسةً وحقيقة. أصبح العيد مجرّد واجب بروتوكولي، فيما اللبنانيون أنفسهم يتساءلون: هل نحن فعلًا نعيش الاستقلال؟ هل نستحق الاحتفال به؟ كيف نحتفل بعيدٍ لا نُجسّد معناه؟ كيف نرفع العلم ونحن عاجزون عن حماية حدوده، وعن ضمان وحدة قراره، وعن حفظ كرامة شعبه؟
وصاية جديدة بلباس داخلي
أخطر مظاهر غياب الاستقلال الحقيقي اليوم هو وجود سلاح خارج الدولة. فكيف يمكن الحديث عن دولة مستقلّة بينما قرار السلم والحرب ليس بيدها، بل بيد ميليشيا مرتبطة بعقيدة وأجندة خارجية؟
لا يمكن تجاهل الحقيقة: “حزب الله”، الذي يقوم على أيديولوجية “ولاية الفقيه”، يمثل وصاية على القرار الوطني. فحين يقول علي خامنئي نفسه “نحن موجودون في لبنان من خلال “حزب الله””، فماذا يبقى من السيادة؟
من يملك أرضًا لا يملك قرارها، ومن لا يملك قرارها لا يملك استقلالها. لبنان الذي تحرّر من الوصاية السورية عام 2005، بعد سلسلة اغتيالات بدأت بمحاولة اغتيال مروان حمادة وبلغت ذروتها باغتيال الرئيس رفيق الحريري والعديد من رموز “ثورة الأرز”، ظن كثيرون أنه نال “استقلاله الثاني”. لكن ما حصل هو انتقال لبنان من وصاية غير لبنانية إلى وصاية أشد خطورة، لأنها من داخل النسيج اللبناني نفسه، تتمثل بـ “حزب الله” ومن خلفه إيران وخط الممانعة.
دولة بلا قرار
لبنان اليوم في أخطر أزمة وجودية لأن هناك انقسامًا عموديًا بين مشروعين: مشروع بناء دولة فعلية، دولة القانون والمؤسسات، القرار الواحد، السلاح الواحد من جهة، ومشروع تحويل لبنان إلى أداة تخدم دولة أخرى، تحت شعار المقاومة أو المحور أو المعركة الكبرى من جهة أخرى.
وبين هذين المشروعين: فريق ثالث “متفرّج”، لا يهمه إلا مصالحه الخاصة، طبقة سياسية متواطئة، تتعايش مع السلاح خارج الدولة حفاظًا على مكاسبها وشعب منهك، تعب من الصراع، ومنقسم حتى في تعريف الوطن.
أخطر من وصاية الغريب
لعلّ أخطر ما مرّ على لبنان هو انتقاله من وصاية النظام السوري الذي كان واضحًا أنه ليس ابن البلد، وأن اللبنانيين قادرون يومًا على اقتلاعه، إلى وصاية داخلية ذات امتداد خارجي. فالخصم حين يأتي من الخارج يمكن مواجهته، أمّا حين يصبح جزءًا من الداخل، مسلّحًا، ممسكًا بكل مفاصل القرار، يصبح الاجتثاث شبه مستحيل، وتتحول الأزمة إلى أزمة كيان، لا مجرّد أزمة سياسة.
حرب الإسناد
أي استقلال نحتفل به فيما إيران تقرر عن لبنان متى يدخل الحرب، ومتى يخرج منها، ومتى يرفع السقف العسكري؟
قرار “حرب الإسناد” الأخيرة اتُخذ خارج لبنان، ونُفذ من خلال “حزب الله”، فدُمّر بلدٌ بأكمله، وسقطت آلاف البيوت، وخسر اللبنانيون المزيد من أرزاقهم وأمنهم ومستقبلهم. فهل هذا وطن مستقل؟ أم ساحة تُستخدم عند الحاجة؟
شرطٌ للاستقلال
هل نخجل من الاحتفال بعيد الاستقلال؟ نعم. هل يُمكن أن يأتي استقلال جديد؟ نعم، يمكن، وقد يكون عام 2026 محطة مفصلية إذا استطاع هذا العهد القادر إعادة القرار إلى الدولة، وانتزاع السيادة من أي طرف آخر، وإعادة بناء مؤسسات مستقلة فعلًا، وإحياء القضاء، وحصرية السلاح، وتحديد العدو بقرار وطني موحّد.
باختصار شديد وبصراحة موجعة: نحن نعيش خارج نطاق الاستقلال والسيادة والحرية. ونحن اليوم دولة من دون دولة.



