بركات: ابرام اتفاق مع صندوق النقد محوري، على أمل الاخذ بعين الاعتبار الخصوصيات اللبنانية (الشرق ١٧ تشرين الثاني)

حطّ وفد وزارة الخزانة الأميركية في بيروت في جولة استمرّت 3 أيام، حيث عقد اجتماعات مع مسؤولين عدة، وتناول البحث سبل تعزيز الأمن والاستقرار في لبنان، ومكافحة الارهاب وتمويله، الى جانب متابعة الوضع الاقتصادي والمالي بما يشمل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وإنعاش القطاع المصرفي .
في هذا الاطار ، يعتقد الدكتور مروان بركات، كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الابحاث في بنك عودة، أن احد أهم التحديات في المرحلة المقبلة هو التوصل الى اتفاق نهائي مع مجلس إدارة صندوق النقد الدولي لما يحمل ذلك من إيجابيات على التدفقات الخارجية باتجاه لبنان ، هذا الهدف المبتغى يجعل رأي الصندوق محوريا في أي خطة تعافي للبنان، لافتا الى ان البلاد في أمسّ الحاجة الى مساعدة دولية يضمنها بشكل مباشر برنامج صندوق النقد الدولي ، بحيث يمثل الاتفاق الشامل مع صندوق النقد شرطا ضروريا لكي تدعم الدول والمؤسسات المانحة لبنان ماليا، وفاءً بتعهداتها السابقة التي لم تتحقق بعد في ظل غياب جهة رقابية موثوقة على الاصلاحات المطلوبة في لبنان، وهي صندوق النقد الدولي.
ويضيف بركات، الا انه من المهم ان تأخذ بعين الاعتبار آراء الصندوق خصوصيات الحالة اللبنانية. بدايةً، إنّ الأزمة اللبنانية هي أزمة شمولية، ولها عواقب مترابطة. إنها في الدرجة الأولى أزمة اقتصادية، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بشكل حاد بنسبة 40٪ بعد العام 2019، وأقفل عدد لافت من الشركات أبوابها، وزادت نسبة البطالة ثلاثة أضعاف، وارتفعت معدلات الفقر بشكل ملحوظ. إلى ذلك، مؤكدا أن الأزمة اللبنانية هي أزمة مرتبطة بمجمل النظام المالي والنقدي، حيث اعتمدت قيود غير رسمية على رؤوس الأموال، وفقدت العملة أكثر من 98٪ من قيمتها، وتجاوز التضخم التراكمي نسبة 6000% منذ اندلاع الأزمة في تشرين الأول من العام 2019 حتى اليوم. وقد ترافق ذلك مع عدم استقرار سياسي، حيث سجّلت إخفاقات حكومية متكررة، ووقعت البلاد في فراغ حكومي، إلى جانب الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق، وفقدان عامل للثقة، والشلل في عمل مؤسسات الدولة. كذلك تسبّبت الأزمة بخلل مجتمعي، مع ازدياد الهجرة بشكل كبير (هجرة الأدمغة)، ناهيك عن التوترات الاجتماعية المتزايدة وعدم المساواة. أخيرًا، انعكست الأزمة تدهوراً في البنية التحتية وفي البيئة، مع العلم أنّ انفجار مرفأ بيروت زاد الأزمة سوءاً، كما تدهورت بشكل لافت الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه وإدارة النفايات.
لذا، فإن الأزمة اللبنانية هي أزمة شمولية، أي أبعد من أزمة نظامية. إنّ كلاً من الاقتصاد والنظام المالي والبنية السياسية والخدمات العامة والمجتمع وقع تحت تأثير الأزمة، وأدى كلّ منها إلى تفاقم الوضع لدى الآخر. يمكن تعريف هذه السلسلة المتداخلة بالأزمة الشمولية، التي تتطلب حلولًا شاملة ومنسقة على مستوى جميع القطاعات، أي بمعنى أن الإصلاحات المالية وحدها لن تحل هذه الأزمة.
في هذا السياق، يواجه القطاع المالي في لبنان أزمةً واسعة النطاق، ناجمة عن سياسات عامة تقع مسؤوليتها بشكل رئيسي على عاتق الدولة، كما هو مدرج بوضوح في تقرير التدقيق الجنائي لمصرف لبنان الذي أعده “ألفاريز ومارسال”. تستلزم الأزمة الشمولية مقاربات متميزة تختلف عن تلك المستخدمة في الأزمات العادية أو أزمات المصارف الفردية. من هنا، تبرز الحاجة الملحة لاعتماد خطة شاملة للإنقاذ الاقتصادي والمالي، تستند إلى مقاربة شمولية للحلّ، وتكون مناسبة لإعادة ترسيخ دور القطاع المالي كوسيط مالي رئيسي في البلاد، ما من شأنه أن يقلّص حجم الاقتصاد النقدي المحفوف بالمخاطر، ويضمن خلق القيمة الاقتصادية المضافة المرجوّة، ويدعم الانتعاش الاقتصادي في لبنان. وهذا بدوره يوّلد الحاجة لخطة حكومية جريئة، تسهم في إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي، كشرط أساسي لتحقيق النهوض الاقتصادي بشكل عام.
ومن المهم أيضًا يقول بركات، في سياق الازمة الشمولية هذه اعتماد نهج متماثل في معالجة الودائع بدلاً من النهج غير المتماثل. إن النهج المعتمد على معالجة كل مصرف على حدة، والذي من شأنه أن يفرّق بين الالتزامات بالدولار النقدي لكل مصرف تجاه عملائه، من شأنه أن يضع مسألة الانصاف بين المودعين على المحك داخل بلد يعاني من أزمة شاملة.
كذلك، فإن شطب ودائع المصارف اللبنانية بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي سيكون أمراً غير مسبوق تاريخياً لا بل إنّه خطير من الناحية النظامية. فالقانون اللبناني يحظر شطب ودائع المصارف التجارية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان. عادة ما يتم التعامل مع الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي على أنها أصول أساسية خالية من المخاطر، على غرار النقد. وهي تشكل العمود الفقري لأنظمة الدفع، وإدارة السيولة، والثقة بين المصارف. إن تطبيق عملية الشطب من شأنه أن يشكل ضربة قاسية لأساسيات العمل المصرفي الحديث، ذاك أنّه يبطل فكرة أن الاحتياطيات لدى المركزي هي آمنة تماما. وعلى المستوى الدولي، فإن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تنتهك معايير بازل واتفاقيات صندوق النقد الدولي، التي تؤكد على نزاهة المصرف المركزي باعتباره السلطة النقدية.
في الواقع، يؤكد بركات، إن شطب الودائع بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان هو خط أحمر على المستوى العالمي لاعتبارات عدة. (1) الخطر النظامي: من شأنه أن يؤدي إلى انهيار فوري لنظام المدفوعات وتبدبد عامل الثقة بشأن الصيرفة اللبنانية. (2) هو أمر غير مسبوق: حتى في أشد الأزمات (الأرجنتين وزيمبابوي وقبرص)، لم يتم مطلقاً شطب الودائع بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي. (3) الاستحالة القانونية: يوفر حكم مجلس الشورى حاجزًا دستوريًا، ما يجعل مسألة التنفيذ غير ممكنة سياسيًا وقانونيًا. (4) ثمة حلول بديلة: تظهر الممارسات الدولية أن هناك نماذج قابلة للتطبيق والتي من شأنها أن تحقق أهداف إعادة الهيكلة دون تجاوز الخطوط الحمراء.
في الختام، تقع مسؤولية إعادة التوازن المصرفي على عاتق السلطات اللبنانية، ولا سيما السلطتين التنفيذية والتشريعية (الحكومة ومجلس النواب)، بالتعاون والتنسيق مع مصرف لبنان، مع الاخذ بعين الاعتبار رأي صندوق النقد الدولي؛ على ان تؤخذ في الحسبان الخصوصيات المحلية. وينبغي على المصارف بدورها أن تكون مستعدة للاستجابة والتعاون مع مختلف المقترحات الحكومية لسدّ الفجوة المالية، وتحديدًا عامل الأهلية، واسترداد الأموال غير المشروعة، واسترداد الفوائد المفرطة، والتحويل الممكن إلى الليرة اللبنانية، وتحويل الودائع إلى أسهم، أو الخصخصة المحتملة، أو الصناديق السيادية، أو استخدام احتياطيات الذهب وإنتاج الغاز المحتمل. وينبغي للمصارف أن تكون مستعدة للتكيّف على جميع هذه المستويات والتعاون مع الدولة التي عليها أن تقود بنفسها مقاربة بنّاءة لإعادة الهيكلة بشكل عام.



