اللبنانيّ يدفع مجددا ثمن الهدر والفساد المرحلة الأولى من خطة الكهرباء: العين على نزع التعدّيات وإلّا على الكهرباء السلام! (الديار 1 شباط)
بيضون لـ "الديار": عشرات ملايين الدولارات لمقدّمي الخدمات ومشغّلي المعامل وعناصرهدر نحمّلها للمواطن!

بين مطرقة فاتورة المولّدات الخاصة ودولرتها وتزويرها، وبين سندان غياب كهرباء الدولة، يقبع اللبنانيّ منتظرا ما وعدته به مؤسسة كهرباء لبنان من ساعات تغذية كهربائية تقدّر بنحو 8 ساعات، وفاتورة مدروسة، ومتأمّلا بأن يحرّره ذلك من استبداد جمهوريّة المولّدات الخاصة وتلاعبها.
وبعد أكثر من مطبّ وزاري وتأجيل، وضعت خطة الطوارئ الوطنية لقطاع الكهرباء على السكة، وأعلنت “مؤسسة كهرباء لبنان” في بيان لها، عن البدء بتنفيذ المرحلة الأولى لزيادة التّغذية، إبتداء من ظهر يوم الجمعة 27 كانون الثاني 2023، برفع الإنتاج إلى 250 ميغاواط لحين تحقُّق عوامل نجاح حدّدتها مع الجهات المعنيّة، بالتّوازي مع نزع التّعدّيات على 216 مخرجًا كمستوى أوّل من أصل 800 مخرج توزيع، أي نحو 27 % من إجمالي المخارج، وفي حال تحقيق العوامل تنتقل إلى المرحلة الثّانية قبل 10 شباط 2023 وترفع الإنتاج إلى 450 ميغاواط، مع حملة نزع التّعدّيات والجباية، ومن ثمّ إلى المرحلة الثّالثة بإنتاج 585 ميغاواط.
ولفتت إلى أنّه في حال تعثّر تحقيق عوامل نجاح المرحلة الأولى، ستبقي الإنتاج بمعدّل 250 ميغاواط، وستقترح عدم تحرير أيّ مبالغ إضافيّة من سلفة 300 مليون دولار، لحين تحقيق تلك العوامل، مؤكدة “أنّها ستبقي الرّأي العام على بيّنة بأيّ مستجدّات تطرأ، في ما خصّ تطبيق خطة المراحل الثّلاث عبر بيانات لاحقة بهذا الشّأن”.
يحمل البيان المفصّل في طيّاته علامات إستفهام وتساؤلات تجول في بال المواطن، أبرزها يتعلّق بعدد ساعات التغذية التي سيحصل عليها وفي أيّ أوقات من اليوم، وهل ستوزع بعدالة بين كلّ المناطق التي ينقطع في بعضها التيّار الكهربائي لمدة شهر كامل أحيانا، وهل ستحتسب التعرفة وفق سعر “منصة صيرفة” (الغير مستقر) كما وعدت المؤسسة سابقا، أم وفق سعر صرف الدولار؟
عطفا على ذلك، من يضمن نجاح الخطة التي اشترطت تنفيذ عوامل رئيسيّة ربّما يستحيل تطبيقها في زمن الفوضى الإقتصادية والإجتماعية، تحديدا الجباية ونزع التعدّيات، على ضرورة هذين الشرطين، وسواهما؟ وماذا تقدم المرحلة الأولى من الخطّة للمواطن والمؤسسة؟
بيضون: إحتمال عدم تساوي
التوزيع بين المناطق بحجّة عدم الدفع
مدير عام الإستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه الدكتورغسان بيضون، وفي قراءة تفصيلية للمرحلة الأولى من الخطة، أوضح لـ”الديار” حول ساعات التغذية تحديدا، أنّ أهميتها تكمن في عدد هذه الساعات وتوقيتها وما إذا كان خلال النهار أو بعد منتصف الليل حيث تكون فائدتها أقلّ بكثير، مشيرا إلى أنّه وفق وعد المؤسسة، فإنّ العدد سيبلغ ساعتين يوميا، لافتا إلى حديث مدير أحد المعامل في ديرعمار، حول إنتاج 250 ميغاواط كحدّ أقصى، وتشديده على مراعاة التوزيع الذي يضمن توازن الشبكة، ويشمل المناطق التي تدفع، ما يعني – وفق بيضون- أن هناك إحتمالا بعدم التوزيع بالتساوي بين المناطق بحجّة وذريعة عدم الدفع أي أنّ هناك مناطق تدفع ومناطق لا تدفع.
الجباية ونزع التعدّيات
بين الحين والآخر، وعلى مدى سنوات طوال، نظّمت مؤسسة كهرباء لبنان حملات كثيرة لنزع التعديات عن الشبكة الكهربائية في مناطق مختلفة، على أنّ الأمر لم ينه التعديات المتجذرة على الشبكة منذ عشرات السنين، فكيف ستتعامل المؤسسة مع هذه المعضلة؟
يجيب بيضون بأنّ تقسيم الخطة إلى 3 مراحل، وتركيز المؤسسة ببيانها على أنّها تنتطر مساعدة وتعاون وتضافر جهود “كلّ الدنيا”، كي تستطيع نزع التعديات، وأنّ عدم نجاحها في ذلك، سيمنعها من الإنتقال للمرحلة الثانية في 10 شباط، بانتظار نتائج نزع التعديات (بعد مراقبة عدد من المخارج)، -كلّ ذلك- يعني أنّ حجّة عدم التساوي في التوزيع باتت جاهزة، معتبرا أنّه بعد أن حصلت المؤسسة على التمويل اللازم لها، وثبّتت حقها بتطبيق التعرفة اعتبارا من تشرين الثاني، وضمّنتها رسوم إشتراك وخدمة عداد وبدل تأهيل مرتفعة، حققت ما تريده، حتى وصلت إلى أن تهدّد بأنّه إن لم تنجح عملية نزع التعديات، فإنّها لن تطلب مزيدا من المال، وهكذا نفهم أنّ كلّ ما أرادته هو الحصول على حق الفوترة وتضمينه الرسوم المذكورة لتغطية الهدر القائم فيها، وشدّد أنّ إمكانيات المؤسسة محدودة، ونجاح حملتها ضئيل جدا، وبمجرد أن يطلب الوزير من السياسيين معاونته بإقناع الناس أن لا يعتدوا على الشبكة، نعرف أن الأمل شبه معدوم، بل الخوف من تزايد الإعتداء على الشبكة والهدر.
كيف ستتعامل المؤسسة مع التعرفة، في ظلّ عدم استقرار الدولار و “صيرفة”؟ سؤال يطرحه بشدّة المواطن المثقل اليوم بأحمال متتالية، وبحسب بيضون، “ستفوتر” المؤسسة من 1 شباط عدد الكيلوواط التي سجّلت على عدّادات المشتركين إعتبارا من تشرين الثاني، وستكون أعداد الكيلوواط بسيطة، إنما الفائدة ستكون من الرسوم المفروضة و والتي رفعت لتعويض عدم التوازن من تخفيض أول 100 كيلواط، ما يعني أنّهم خفّضوا تعرفة العدد الأول من الكيلواط ، وزادوا في الوقت عينه الرسوم، ما يبقينا مكاننا.
وأضاف أنّه بالتزامن مع فوترة شباط ستصدر فواتير الفترة القديمة (قبل التعرفة الجديدة)، فيصبح أمام المواطن 3 فواتير: فاتورة المؤسسة الجديدة والقديمة والمولّد الخاص، وستشكّل بقيمتها ثقلا أكثر من قبل عليه، ومع إرتفاع الدولار والمازوت لن يكون هناك قيمة للفرق بين التعرفتين(الرسمية والخاصة) والذي قيل بأنّه سينتفع منه، واضعا كلّ ما يحصل في خانة المناورات لإقناع الناس بشيء غير مقنع، ولا أحد يعلم إلى أي مدى يمكن أن يتجاوبوا ويتمكنوا من دفع فاتورتين .
ونبّه حول التسعير، بأنّ اعتماد منصة “صيرفة”، في احتساب الفاتورة والتعرفة، سيؤدّي إلى صعوبة في التطبيق، طبقا لسعرها المتحرك، إضافة إلى أنّ المواطن لا يعرف كم سيكون حجم إستهلاكه عند الفوترة، لذا يجب تحديد قيمة التعرفة أقلّه لمدة 6 اشهر، ويمكن أن يعاد النظر فيها حينما يستجد أمر مهم، كي نتجنّب إحتمال تغيير كبيرا حين ربطها بسعر صيرفة أو غيرها.
هل يحتّم وجود هذه التعقيدات فشل الخطّة ؟
وفق بيضون، الإجابة حول هذا السؤال واضح في بيان المؤسسة، التي هي نفسها لا تتوقّع نجاح الخطة، بدليل قولها إنّها ستتوقف عند المرحلة الأولى إذا لم ينجح رفع التعديات، وأردف: ” أنا متشائم” لهذه الناحية وأعتقد أنه لن ينجح، وكلّما صعبت الظروف، لا الدولة ولا الحملات ولا المواطن قادرون على التجاوب مع رغبة المؤسسة ونزع التعديّات عن الشبكة، مشترطا لنجاح الخطة عموما عدّة مقترحات، أولا: -يجب أن تكون المؤسسة عادلة بتحديد التعرفة والرسوم، أي أن يتناسب رسم الإشتراك وخدمة العداد مع عدد ساعات التغذية.
ثانيا: يجب إلغاء بدل التأهيل .
ثالثا: يجب إعادة النظر بعدد الشطور وأن يحدّد الشطر بأقل من 27 سنتا بين 100 كيلوواط وما يليه، مثلا 8، ثمّ 15، ثمّ 20 سنتا إلخ، فهناك طبقة قدرتها الإقتصادية قليلة وتستهلك القليل، ويمكن لها أن تستفيد من الشطور الاولى البسيطة، والطبقة الوسطى هي التي تغطي التكلفة، والأعلى يمكن أن تحقّق ربحا للمؤسسة، ولا يفترض أن توجد ضمن تكاليف المؤسسة عناصر فيها هدر وفساد وعمولة ومنافع، و”آخر شي نحملها للمواطن!”. والسؤال الملح بحسب بيضون: هل ستدفع الدولة والمخيمات وغيرها للمؤسسة؟ مضيفا أنّ هذه الأسئلة تصبّ في تعزيز الجواب بالنفي على نجاح الخطة، ملمّحا إلى أنّ المؤسسة تحصّنت، وصار بإمكانها أن “تفوتر” وتكتفي بالرسوم، ما يعني أنّها لن ترفع ساعات التغذية أكثر من ساعتين، وبالتالي ستكفيها كمية المحروقات لفترة أطول، وستراهن على تغيّر الظروف، المهم أنّ تؤمن إستمراريتها وتعويمها من إفلاسها وتغطية الهدر المستمر فيها.
كما أشار إلى أنّ مقدّمي الخدمات ومشغّلي المعامل، هم أكثر المستفيدين من هذه الخطة بعشرات ملايين الدولارات( مستحقاتهم من المؤسسة)، فهناك من يأخذ تأشيرة العدّاد، وآخر يجبي الفواتير، أي وسطاء ومراحل تزيد التكلفة، فيما لو بقيت مهمة التوزيع على عاتق المؤسسة، لكانت الأعباء أقلّ بكثير، مشدّدا أنّه يجب إعادة النظر في كل هذه السياسة المتعلّقة بمجال التوزيع.
– خلاصة القول…
بدأت المرحلة الأولى من خطة الكهرباء الطارئة، والحصول على 300 مليون دولار كاملةً لرفع التغذية إلى 8 ساعات يوميا، رهن الجباية وقبلها إزالة التعدّيات، وعلى ضرورة هذين الشرطين الأساسيين، فإنّ اختصار نجاح الخطة بتطبيقهما فقط يعني على كهرباء الدولة السلام، فنحن نعيش في زمن الفوضى الأخلاقية، واللبيب من الإشارة يفهم!



