أخبار لبنانابرز الاخبار

التربية في 2022: سنة عاصفة بالأزمات… وإصرار على استمرارية التعليم

كانت سنة 2022 عصيبة على التربية والتعليم لما تخللها من أزمات عكسها الانهيار المتسارع في البلد وتخللتها إضرابات ومقاطعة من المعلمين أدّت إلى فاقد تعليمي خطير خصوصاً في الرسمي، وإن كانت التربية تمكنت من إعادة الأمور إلى نصابها في النصف الثاني من السنة.

لكن التحدّيات التي فرضتها الأوضاع المأزومة قابلها من جهة أخرى سعي حثيث للحفاظ على استمرارية التعليم وحمايته من التعثر والسقوط. ولا شك في أن سنة 2022 بنتائجها وبما حملته من إخفاقات ونجاحات في قطاع التربية ستترك آثارها على السنوات المقبلة ولا سيما بعد إقرار الإطار الوطني للمناهج الجديدة وتثبيت العودة إلى التعليم الحضوري كخيار لتجاوز خيبات التعليم عن بعد.

لا يمكن الجزم بأن وزارة التربية تمكنت من وضع قاعدة صلبة للعبور بالتعليم إلى بر الأمان، إذ إن الأزمات المتراكمة التي رُحلت من أعوام سابقة انعكست على كل القطاع، ولا يتعلق الأمر فقط بتآكل رواتب الأساتذة من جراء انهيار العملة الوطنية، لكن أيضاً بضعف الإمكانيات وصعوبة الوضع المالي الذي يشكل أساساً لإطلاق المشاريع والنهوض والإنقاذ. فتعطيل التعليم في الرسمي استمر نحو أربعة أشهر فيما كان الخاصّ يتقدّم لإنجاز مناهجه.

ويمكن القول إن بداية السنة ليست كنهايتها، فبعد إضرابات الأساتذة والمتعاقدين في الأساسي والثانوي الرسمي جرى التوصّل إلى تسوية بمخاض عسير ابتداءً من آذار 2022 فعاد المعلمون إلى المدارس نتيجة لتمكن وزير التربية عباس الحلبي من إقرار تقديمات ومنح اجتماعية وحوافز بالدولار الأميركي من الجهات المانحة، فانطلق التعليم الحضوري لتعويض الفاقد، لكنه لم يكن كاملاً فاضطرت الوزارة إلى تقليص المنهاج وحذف موادّ في الامتحانات الرسمية التي أجريت برغم الصعوبات وشكّلت متنفساً للتربية وحماية للتعليم.

كانت المهمة الأولى للتربية في 2022 تعويض الفاقد التعليمي الذي تسببت به جائحة كورونا والتعطيل وإضرابات الأساتذة، وهو أمر أحدث فجوة في العملية التعليمية تحتاج إلى تقليص لإعادتها إلى مسارها الصحيح ولإنقاذ السنة الدراسية وصولاً إلى إجراء امتحانات سليمة تسمح بإبقاء الشهادة ال#لبنانية ذات مستوى وتستعيد الثقة التي فقدتها خلال السنوات السابقة. وقد طبعت إضرابات الأساتذة سنة 2022 بسبب الانهيار وتآكل رواتبهم وانهيار قدراتهم المعيشية، لكن المقاطعة المفتوحة ارتدّت ضدّهم بحيث بقي تلامذة الرسمي بلا تعليم ما هدّد القطاع بأكمله إلى خطر إقفال المدارس. لكن العودة إلى التعليم الحضوري عززت الثقة مجدّداً فأصرّت وزارة التربية على إجراء الامتحانات الرسمية في تموز الماضي وبلغت نسبة المشاركة فيها 94 في المئة، من دون أي مقاطعة، علماً بأن معلمي الخاص شاركوا في المراقبة والتصحيح.

تجددت المقاطعة مع بداية السنة الدراسية الجديدة في تشرين الأول 2022، ورفع الأساتذة المطالب نفسها لتحسين أوضاعهم، لكن ذلك أدى إلى نزف جديد في التعليم الرسمي، فقد خسرت المدارس والثانويات الرسمية مجدداً 42 ألف تلميذة وتلميذة، وانخفاض نسبة أعداد تلامذة الرسمي للسنة الدراسية 2022–2023 إلى نحو 27 في المئة من مجمل تلامذة لبنان. وهي خسارة تُعدّ فادحة مع ازدياد أعداد التلامذة في قطاعات التعليم إلى أكثر من مليون و100 ألف.

وطرحت هذه الأرقام تساؤلات حول صمود التعليم الرسمي بسبب ما تشهده من هجرة معاكسة وانقلاب الأمور رأساً على عقب، خصوصاً أنه في عام 2021-2022 خسرت المدرسة الرسمية أكثر من 40 ألف تلميذ أيضاً، ما يعني أن النزوح من الرسمي بلغ خلال سنتين 80 ألفاً، منهم من تسرّب إلى الشارع، وبعضهم الآخر انتقل إلى مدارس خاصّة متواضعة أو تجارية أو مؤسسات لدى جمعيات أهلية وطائفية مدعومة. واللافت أن التعليم الخاص غير المجاني زاد عدد تلامذته إلى أكثر من 600 ألف، مقابل 572 ألف تلميذ العام الماضي. وعلى الرغم من ذلك انطلقت الدراسة حضورياً وأنجز الفصل الاول من السنة، لكن التلويح بالإضرابات بسبب المشكلات المالية وعجز وزارة التربية عن تسييل التقديمات كاملة قد يهدّد التعليم في سنة 2023.

وعلى رغم التوترات في الدراسة تمكنت وزارة التربية من إنجاز الإطار الوطني للمنهاج التعليمي ما قبل الجامعي، بعد تعديلات وإصدار خمس نسخ منه. وأُطلق الإطار رسمياً في 15 كانون الأول 2022، ليفتح الطريق أمام تطوير المناهج وإعداد المواد الجديدة، انطلاقاً من الحاجة الملحّة لإصلاح المنهاج في لبنان، علماً بأن عملية إعداد النسخ سبقتها خلافات بين الخبراء التربويين على المضمون والنصّ والهدف. لكن وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي حسم الأمر بفتح النقاش للوصول الى النسخة النهائية من المنهاج على قاعدة تعزيز مفهوم الهويّة باعتبارها المكوّن الأساس للوحدة الوطنية. فالإطار الوطني يعطي الاولوية لسيادة القانون واحترام الحريات والمشاركة في الحياة الاجتماعية وتنمية حسّ الانتماء الوطني لدى المتعلمين. وذلك بعد تحديد نقاط التعثر في المناهج الحالية التي أقرت عام 1997. ويقول الحلبي “إننا أخضعناها لمسار التقويم بهدف الخروج نحو مسار مختلف لمنهاج تعليمي جديد”.

شهدت سنة 2022 سجالات حول ملفات تربوية عدة وحملات على وزارة التربية، ردّ عليها الحلبي بأنها حملات ظالمة تستهدف الوزارة، خصوصاً في ما يتعلق بحادثة انهيار سقف في مبنى ثانوية القبّة الذي تسبب بوفاة تلميذة ثانوية. ورأى الحلبي أن الحملات استحضرت ملفات تتعلق بالوزارة وفُتحت بمفعول رجعي عن سنوات سابقة، واستهدفته عبر قضايا جرى تجميعها من الماضي لتشويه الصورة التي رسّخها في محاولة لكسر التوجّهات الإصلاحية، تارة بتحميله مسؤولية الوضع المزري للمدارس الرسمية وتارة أخرى بإطلاق اتهامات في غير محلها حول العلاقة بالكادر التعليمي، وتغييب ما أنجزته التربية في الوضع الصعب والانهيار الذي تعانيه البلاد. وأوضح الحلبي أن الحديث عن مليارات من الدولارات وصلت إلى التربية هو إيهام للرأي العام، لافتاً إلى أن المبالغ المتوفرة من التمويلات هي 100 مليون دولار حيث تقوم التربية بترميم 48 مدرسة من التمويل الوارد في القرض الدوليS2R2 ويشمل أعمال الترميم وإضافة بناء على مدارس قائمة ملك الوزارة.

لم تكن أيضاً المدارس الخاصة بعيدة عن الأزمة في 2022، فقد لجأت غالبيتها إلى دولرة الأقساط، أو أقله استيفاء قسم بالليرة اللبنانية ومبلغ بالدولار تختلف قيمته بين مؤسسة وأخرى. وبات الدولار المدرسي النقدي أمراً واقعاً على الرغم من قرار وزير التربية منع استيفاء الأقساط بغير العملة الوطنية. اللافت أيضاً أن المؤسسات الخاصة تجاوزت لجان الأهل وكسرت قانونية الموازنة والقانون 515، ثم بدأت تساوم لقوننة هذا الموضوع تارة بإنشاء صندوق للمصاريف التشغيلية بالدولار وثانية بفرض القسط الدولاري على أهالي التلامذة المقتدرين، وثالثة باللعب على القانون حول وحدة التشريع. وعلى الرغم من أن التعليم الخاص لم يشهد مقاطعة من الأساتذة ولا إضرابات في 2022، فإن الازمات تعصف به والأمور مرشحة للتصعيد في 2023. وفي المقابل أكد وزير التربية أن العمل مستمر بالقانون 515 من دون تعديل وعلى المدارس تقديم موازناتها وفق القانون وما ينص عليه من بنود، مع تأكيده رفض فرض الأقساط بالفريش دولار.

الأزمات أيضاً لم تغب عن الجامعة اللبنانية في 2022، فمجلس الوزراء قبل أن تتحول الحكومة إلى تصريف الأعمال لم يقر ملفاتها. وظهرت الخلافات بين الفرقاء حول موضوع العمداء والتفرغ، والمحاصصة، فتعطلت مشاريع الجامعة وتقلصت موازنتها. لكن الجامعة واجهت تحديات العودة إلى مسار التعليم الأكاديمي، بعد تمكن رئاستها من الحصول على اعتمادات مالية من الحكومة وباشرت كلياتها وفروعها التعليم الحضوري، بالرغم من الأوضاع المزرية، التي انعكست على وضع الجامعة ودفعت قسماً من أساتذتها إلى الهجرة، وهي تسير على خط العودة وإن كانت الإمكانات قليلة والدعم محدوداً. وقد كان الرهان واضحاً على إقلاع السنة الجامعية في شكل طبيعي، من دون تضخيم، ولا تحليق، فالمهم كان بالنسبة إلى رئاسة الجامعة العودة إلى المعنى الأكاديمي للجامعة ومبرّر وجودها، إلى أن تستقر الأمور للبحث لاحقاً في تطويرها وتعزيز دورها.

بواسطة
إبراهيم حيدر
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى