الاقتطاع من الودائع أمر واقع .. والفرنسيون يدخلون على خط “الهيركات”… فما حقيقة موقفهم ؟
على وقع شد الحبال السياسي الجاري حول تشكيل الحكومة العتيدة، وتخبّط الطبقة السياسية في صراعاتها على الحصص ومغانم الحقائب الوزارية، ارتبك الوسط الاقتصادي والمصرفي على وقع تخبّط آخر، على خلفية تسريب موقف فرنسي يؤكد حتمية حصول اقتطاع من أموال المودعين في المصارف، واشراكهم في تحمّل جزء من الخسائر. وبين رفض جمعية المصارف السير بهذا المقترح القديم الجديد، وتشديدها على سلبيته وانعكاسه السيىء على سمعة المصارف اللبنانية والثقة المتبقية بها، تتضارب المعلومات حيال نوعية هذا “الهيركات” المطروح، وتفاصيل عملية “الجزّ” المحتملة. فبين قائل بأنه لن يطاول إلا حملة سندات “الاوروبوندز” والفوائد التي جنوها من سندات سابقة، ومن يقول بانه سيشمل جميع المودعين على السواء، وآخر يبشر بأنه سيطاول، اضافة الى حمَلة “الاوروبوندز”، الودائع بالعملة الصعبة فقط. كما تتضارب التفاصيل حول قيمة الحد الادنى للوديعة التي سيطاولها: “مليون دولار وما فوق أم أقل”؟ تفاصيل كثيرة ومقترحات متشعبة، لكن “الهيركات” حصل من دون “منّة” الفرنسيين ومشورتهم، ورغم أنف جمعية المصارف، وحتماً من دون قانون يصدر في المجلس النيابي، لأن “السيف سبق العذل” واقتطع الانهيار من قيمة مدخرات الناس واحتياطاتهم، أكثر مما هو مُقترح، والمتبقي منها بعيد المنال ومحتجز لدى المصارف بفعل فقدان السيولة، وتمنّع الدولة عن تسديد ديونها.
في محضر الاجتماعات التي عقدها الوفد المصرفي اللبناني مع عدد من المسؤولين الفرنسيين في باريس، نُقل عن النقاش ما حرفيته: “نصح الموفد الرئاسي بيار دوكان بالتمييز بين الموضوعات المبدئية والموضوعات الشعبوية. ومع أن موضوع عدم تحميل المودعين أي خسارة هو موضوع مبدئي بالنسبة الى جمعية المصارف، فسيكون من الصعب الدفاع عن هذا الموقف حتى النهاية. لكنه موضوع نقاش”.
مصادر متابعة لاجتماعات الوفد المصرفي في باريس أوضحت لـ”النهار” أن دوكان قصد في كلامه أنه “يجب مراعاة الشفافية في التعاطي مع المودعين، لأن عملية “الهيركات”، أي الاقتطاع من الودائع، قد تحدث، وذلك خلافا للتمنيات والتصريحات التي تصدر عن السياسيين”. ولكن ما المقصود بـ “الهيركات” الذي تحدث عنه دوكان؟ تشير المصادر الى 3 فئات من المودعين يمكن ان يطاولهم الهيركات. الفئة الاولى تشمل حاملي سندات “الاوروبوندز” (سندات الخزينة بالعملة الاجنبية)، إذ من المحتمل اقتطاع نسبة معينة (20-30% أو نسبة أخرى) من استثمارات العملاء في هذه السندات. الفئة الثانية تشمل حاملي سندات الخزينة بالليرة اللبنانية. اما الفئة الثالثة فهم المودعون العاديون، إذ يُرجح ألا يطاول “الهيركات” ودائعهم، إذ ليسوا معنيين بها. ولكن تعود المصادر لتوضح أن لا شيء مؤكداً في الوقت الراهن، “في انتظار تبلور خطة الإنقاذ بالتعاون والتشاور مع صندوق النقد الدولي”… مشيرة الى ان “جميع اللبنانيين خائفون أولاً على مستقبل البلاد، لا سيما أن المؤشرات المالية والاقتصادية والتطورات السياسية تبدو مقلقة جدا، ومصير مدخراتنا مرتبط بصورة أساسية بهذه الهواجس”.
غير أن هذا لا يمنع المصادر من التأكيد أن “معظم الخاسرين المحتملين سيخسرون جزءا من الفوائد التي أُودِعت سابقا في حساباتهم. أما الخاسرون الأكبر فسيكونون المساهمين في المصارف وحاملي سندات الأوروبوندز”.
ولم تنسَ المصادر الاشارة الى أن الاقتطاع حاصل بفعل الامر الواقع، اي تردّي سعر الصرف، وانخفاض القوة الشرائية. وإذ لفتت الى ان المودع يسحب امواله بالدولار من البنك على سعر 3900 ليرة، سألت: “من يضمن لاحقا ان المصارف ستدفع للناس ودائعها بالعملة المحررة بها في حال كانت بالدولار، إذ ربما تفرض على المودع سحب وديعته بالليرة وعندئذ يكون قد تعرض ايضا لنوع من الاقتطاع”.
من هنا ترى المصادر اهمية الاسراع في تشكيل الحكومة وتحديد الخسائر والاتفاق على كيفية وآلية توزعها وهوية الذين سيتحملونها، وكيفية مساعدة المنظومة المالية بكاملها على النهوض من كبوتها واعادة ضخ الاموال في السوق والاقتصاد.
تقلّص حجم الودائع المصرفية في الاشهر السبعة الاولى من 2020 بقيمة 15,6 مليار دولار، أي ما يعادل المعدل السنوي المسجل في العام 2019 بكامله، لتراجع حجم الودائع الذي بلغ 15,4 مليار دولار. وقد خسر القطاع المصرفي ما قيمته 30 مليار دولار من الودائع منذ بداية العام 2019 متراجعاً من 174.3 مليار دولار في اواخر كانون الاول 2018 الى 158.9 ملياراً في كانون الاول 2019 وصولاً الى 143.3 مليار دولار في تموز 2020.
ووفق تقرير حديث لبنك عوده يتبين ان 71,3% من التراجع في حجم الودائع خلال الاشهر السبعة الاولى من 2020 جاء نتيجة تراجع حجم ودائع المقيمين بقيمة11.1 مليار دولار، في مقابل خسارة نحو 4,5 مليارات دولار من ودائع غير المقيمين. وقد انخفضت ودائع المقيمين من 126,4 مليار دولار في كانون الاول 2019 الى 115,3 مليار دولار في تموز 2020، في حين تراجعت ودائع غير المقيمين من 32.5 مليار دولار الى 28 مليار دولار خلال الفترة عينها.
وتراجع نحو 62.1% من حجم الودائع جاء نتيجة تقلص الودائع بالليرة اللبنانية لغاية تموز 2020 بقيمة 9.7 مليارات دولار، في مقابل تقلص الودائع بالدولار بقيمة 5.9 مليارات دولار. وقد تراجع حجم الودائع بالليرة اللبنانية من 38.1 مليار دولار في كانون الاول 2019 الى 28.4 مليار دولار في تموز 2020، في حين تراجع حجم الودائع بالدولار من 120.8 مليار دولار الى 114.9 مليارا في الفترة عينها.
أمام هذه الارقام، ثمة اجماع على وجود خسائر مالية كبيرة في القطاع المالي ناجمة خصوصا عن عدم قدرة الدولة على تسديد ديونها، اضافة الى الخسائر المتراكمة في مصرف لبنان الناجمة عن الهندسات المالية ودعم الليرة اللبنانية في السنوات الماضية.
لكن المشكلة، وفق ما يؤكد الخبير المصرفي الدكتور غسان العياش، هي أن “هذه الخسائر ليست محددة بعد. لذلك فإن الجدل يأخذ طابعا عموميا ومبدئيا. فلو كانت الارقام متوافرة لكان بالامكان تحديد حصة كل طرف في الخسائر، ولأمكن معرفة ما اذا كانت هناك حاجة للاقتطاع من الودائع. لذلك فان السفير دوكان يطرح موضوعاً مبدئيا ويقول أنه قد تبرز حاجة الى الاقتطاع من الودائع”.
وركز العياش على أن “الحوار بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف حول المصارف قد تأخر كثيرا، إذ استغرق كل عمر الحكومة المستقيلة ولم يتوصل الأفرقاء إلى تحديد الخسائر. ولا يجوز اضاعة مزيد من الوقت للخروج من الوضع البالغ الصعوبة”.
لا يحبذ العياش الدخول في جدالات حول الخسائر التي يمكن أن تلحق بالمودعين “الا بعد التوصل الى تقدير موحد لحجم الخسائر. فما هي التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان والمصارف التي تعتبر هالكة، هل هي كل التزامات الدولة أم جزء منها، وما هي النسبة التي يمكن اعتبارها هالكة من ديون المصارف للقطاع الخاص؟”، معتبرا أن الجدل حول “الهيركات” ونسبه من دون تحديد موحد لهذه الارقام هو بحث نظري افتراضي لا قيمة له.
العنصر الآخر، وفق العياش، الذي يؤثّر على مساهمة المودعين في ردم الخسائر هو توصّل الدولة في السلطتين التشريعية والتنفيذية الى قرار استراتيجي حول استعداد الدولة لتجنيد موجوداتها في ردم الخسائر. ففيما طرحت جمعية المصارف اقتراح انشاء صندوق سيادي يتملك بعض موجودات الدولة، اعتبرت اوساط سياسية واعلامية ان هذا التدبير يعني سيطرة المصارف على املاك الدولة. وهذا الامر غير صحيح برأيه، “لأن هذا الصندوق يمكنه ان يكتفي بادارة الاملاك العامة ادارة فعالة وديناميكية من دون انتقال ملكيتها الى المصارف او سواها، فيما يُكتفى بتخصيص ارباح الصندوق لتسديد الديون لمصرف لبنان مما يقلص الخسائر ويخفف الحاجة الى اقتصاص واسع من الودائع المصرفية”.
المطالبة بمساهمة الدولة في ردم الخسائر عن طريق هذا الصندوق هو مطلب محق، وفق العياش “لانه لا يجوز اعفاء القطاع العام من المسؤولية عن الخسائر التي نجمت عن الهدر والفساد وتضخم المديونية العامة. لذا يجب أن نعرف حجم خسائر القطاع المالي من جهة وامكان مساهمة الدولة في تحمّل المسؤولية حتى نعرف الى أي حدّ نحتاج الى تحميل المودعين نسبة من الخسائر”.



