شاطئ تشرين: من منصات الغاز إلى مآتم الجنوب.. وعود صُلبت بالدم (الجمهورية ١٠ تشرين الأول)

لم يعد تشرين في لبنان فصلًا يتبدّل مع الفصول، بل صار جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الوطن. رياحه ليست نسيمًا، بل أنين أمهاتٍ يتردّد على أبواب البيوت، وملحًا مشبعًا بدموع أطفالٍ لم يعرفوا من الطفولة إلّا اسمها. أوراقه الذابلة اختلطت بدماء الشهداء، فأضحى تشرين كتابًا آخر يُضاف إلى سجلّ الخيبات، مكتوبًا بالحزن لا بالحبر، وممهورًا بالخذلان لا بالانتصارات… يذكّرنا هذا الفصل أنّ الوعود ليست دائمًا أعيادًا، بل قد تنقلب أكفانًا، وأنّ الترسيم قد يُرفع على الأكتاف ككفنٍ لا كهبة.
27 تشرين 2022، يومها كانت صفحات بحر الناقورة أصدق من خطابات الساسة، وأمواجه أفصح من شاشات الإعلام: على زبده ارتفعت وعود «الانتصار التاريخي»، وعلى صخوره نُقشت التنازلات كجرحٍ نازف في خاصرة السيادة. رفعت السلطة على صدورها أوسمة النصر، وغنّت الصحف عن «منع الحرب» و«تثبيت السيادة» و»فتح الاستثمار»، لكن الريح لم تُمهل الأقنعة طويلًا، إذ سرعان ما تكشفت الحقيقة: لا حرب مُنعت، لا سيادة ثُبّتت، ولا استثمار وُلد. كل ما سُمّي إنجازًا كان قناعًا برّاقًا يُخفي جرحًا غائرًا وهديةً مسمومة دخلت البيوت اللبنانية مع الزغاريد، فإذا بالغاز يتحوّل من خشبة خلاص إلى صليب تُعلّق عليه سيادة وطنٍ ودماء أبنائه.
وعلى الضفّة الأخرى من البحر، لم يكن العدو الإسرائيلي في حاجة إلى أقنعة. فمنذ وثيقته البحرية عام 2020، نظر إلى البحر كأنّه سفرُ تكوين جديد لكيانه: لم يعد حدودًا بل جبهة، ولم يعد ماءً بل كتاب وجود. هناك رسم استراتيجيته حتى عام 2050، وجعل من الغاز حجر الزاوية في أمنه القومي وتثبيت وجوده. ليفياثان، تمار، وكاريش لم تُعامل كحقول طاقة، بل كـ«جواهر تاج» تُرصّع بالقوانين، وتُحرس بالمدافع والصواريخ، وتُسوّق كأوراق شرعية فوق كل الموائد. لم يكتفِ العدو بالخرائط، بل حوّل البحر عاصمة ثانية لوجوده، ومخزن حياة، وركيزة بقاء.
أما لبنان، فقد جلس إلى طاولة الترسيم مثقلاً بانهياراته، فخرج منها بجرحٍ أعمق: تراجع عن الخط 29، واكتفى بالخط 23، تاركًا كاريش جوهرةً في تاج العدو، يصدّر منها بلا قيد ولا شرط. لم يكن الجرح سياسيًا فقط، بل كان جرحًا قانونيًا نُحر في وضح النهار، فالخط 29 لم يكن خطًا وهميًا، بل حقًا ثابتًا وفق معايير القانون الدولي للبحار، مؤسسًا على مبادئ خط الوسط والاعتبارات الجغرافية الخاصة التي كرّستها محكمة العدل الدولية.
ولم يقف النزيف عند حدود الجغرافيا، بل امتد إلى صميم السيادة الاقتصادية. فقد تحوّلت الرقعة الرقم (9) إلى مسرح عبثي: دولة على الهامش، وشركة أجنبية تتوسّط بينها وبين العدو لتوزيع الحقوق وتقدير التعويضات، فيما لبنان ـ صاحب الحق ـ مُبعد عن طاولة القرار. الأدهى أنّ الاتفاق أرسى آلية تعطيل جاهزة: يكفي أن يدّعي العدو أنّ حقل قانا المحتمل يتخطّى الخط 23، حتى تُشلّ أعمال التنقيب ويُجمَّد الاستثمار، فتصير الثروة الوطنية رهينة ادّعاء سياسي، والقرار بيد شركة عابرة للحدود لا تخضع لسيادة لبنان ولا لإرادته.
ثلاث سنوات مضت على الاتفاق، وسنتان على حفر بئر قانا، وما زال البئر عالقًا في صحراء الانتظار، مُجمّدًا بقرارٍ غامض منذ 2023. والأدهى أنّ الاتفاق حتى اليوم لم يُعرض، لم يُناقَش، ولم يُقرّ في البرلمان اللبناني كما تُقرّ الاتفاقيات والمعاهدات. دخل الاتفاق البلاد كما يدخل عربون الطاعة إلى سيدٍ بعيد، كُتبت بنوده في مكاتب واشنطن، وخُتمت برضى تل أبيب. لم يكن ذلك غريبًا على منطق الأميركي الذي لخّصه توم برّاك منذ فترة وجيزة ببرودة قاتلة: «ثمّة طرف مهيمن، وثمّة طرف خاضع، وعلى الضعيف أن يخضع». وهي المعادلة نفسها التي كرّرها الموفد آموس هوكشتاين قبيل ترسيم 2022: «الطرف الأقوى يهيمن وإن لم يكن صاحب الحق القانوني، وأميركا تُبارك».
أيّها الجنوب الحزين، يا من تقف اليوم على شواطئ الناقورة شاهدًا لا على عرس السيادة، بل على مأتمها. بالأمس حملت أمواجك وعود الخلاص للوطن، فإذا بها تعود محمّلةً بنعوش الأمل. أحلام المنصّات التي بشّروا لبنان بها خلاصًا انكسرت تحت رياح الدم، والورود الصغيرة التي حلمنا أن نصنع لها غدًا زُفّت إلى القبور قبل أن تفوح بعطرها.
أيّها الساسة، إن شددتم صباحًا أربطة أعناقكم، فتذكّروا أنّ في هذا الوطن أطفالًا يُذبحون في زمنٍ أقصر من زمن ربطة عنق، وأنّ سيادة وطنٍ تُساوَم على موائد الغريب بثمنٍ أوهى من خيطٍ يقيّد أعناقكم.
فليشهد التاريخ، أنّ دماء أطفالنا التي امتزجت بملح الموج لن تذوب، بل ستبقى الحبر الذي يُكتب به الغد، لتنهض الأجيال شاهدةً أنّ السيادة قد تُغتال على الطاولات، لكنها لا تموت في قلوب الأوطان.



