أكثر من 1356 مقلعاً وكسّارة ومحفاراً تضرب وتشوّه 0.63% من مساحة لبنان (النهار 31 كانون الأول)

تبلغ المساحة الإجمالية لحوض نهر الليطاني نحو 2112 كلم2 أي 20% من مساحة لبنان ، ويضم 296 بلدة (في محافظات بعلبك – الهرمل، البقاع، النبطية، الجنوب وجبل لبنان)، وتتنوع التضاريس من شديدة الانحدار في السفوح الشرقية لجبال صنين والكنيسة والباروك ونيحا والريحان، وفي السفوح الغربية للجبل الشرقي وسفوح وادي القاسمية وجنوب جسر الخردلي، الى تضاريس متوسطة وقليلة الانحدار كمنطقة القرعون ووادي الخردلي ووادي السلوقي.
واستناداً الى دراسة انجزها فريق البنك الدولي ان ثمن التدهور البيئي في لبنان مكلف، وان المقالع تخفض من 16% الى 17% من قيمة الأرض ومن 16% الى 45% من قيمة الشقق السكنية المحيطة بها، ويشكل هذا التدهور الاقتصادي ما يعادل 0.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعادل 34.5 مليون دولار سنوياً. ونظراً الى طبيعة تضاريسه وغياب تطبيق القوانين، ازدهر عمل المقالع والكسارات والمحافر في حوض الليطاني على امتداد 63 بلدة حتى أصبح التلوث يعتبر أحد أبرز الملوثات في الحوض، إذ ترفد النهر بالمياه المحملة بالرمول والأوساخ مخلفة اضرارا بيئية وصحية على النهر والسكان وعلى طبيعة الحوض. كما يستهلك عمل المقالع والكسارات والمرامل كميات كبيرة من المياه، ما يعني ان حجم التصريف الناتج عن النشاط يساهم في تلوث المياه السطحية ويهدد الحياة في النهر.
في هذا السياق، قام الفريق الفني للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني بمسح شامل للمقالع ومواقع محافر الرمل الموجودة ضمن حوض الليطاني، وكانت نتيجة المسح 176 مقلعا ومحفارا (رئيسيا) تتوزع على 63 بلدة ضمن الحوض، وبلغ مجموع المساحة المتضررة حوالى تسعة ملايين متر مربع على كامل الحوض، وتقدر كميات المواد الخام المستخرجة من هذه المساحة بنحو 193 مليون متر مكعب (بمعدل حفر وسطي بعمق 25 مترا). وتبين ان الأرباح التي جناها أصحاب هذه المقالع والمحافر هي أكثر من 3 مليارات دولار على اقل تقدير في حال تم بيع المتر المكعب (بسعر وسطي) بحوالى 15 دولارا اميركيا.
اما على كامل الأراضي اللبنانية فتبلغ المساحات المتضررة نحو 66 مليون متر مربع تتوزع على 1356 مقلعا وكسارة ومحفارا، وتقدر الكميات المستخرجة من هذه المساحة بحوالى 1.650 مليار متر مكعب من المواد الخام (بمعدل حفر وسطي بعمق 25 مترا) التي يتم استثمارها. وتبين ان الربح الذي جناه هؤلاء هو أكثر من 27.5 مليار دولار على اقل تقدير في حال تم بيع المتر المكعب (بسعر وسطي) بحوالى 15 دولارا. فلاستخراج 3 ملايين متر مكعب من المواد الصالحة للاستعمال، على المقلع انتاج 4 ملايين متر مكعب، أي ما يوازي 60 – 80 هكتارا. واستنادا الى المسح، حلّت محافظة جبل لبنان في المرتبة الأولى من حيث مساحة وعدد المقالع والكسارات لا سيما في اقضية عاليه والمتن وجبيل وكسروان حيث تبلغ المساحات المتضررة أكثر من 15 مليون متر مربع. أما بالنسبة الى تحديد رسوم وبدلات استثمار المقالع المنصوص عليها في المرسوم الرقم 8803 تاريخ 4/10/2002 وتعديلاته (تنظيم المقالع والكسارات) لا سيما أحكام المادة الثالثة والعشرين، فتتم على اساس تحديد الرسم السنوي لاستثمار المتر المربع الواحد من مساحة ارض المقلع أو الكسارة للمساحة المحددة في قرار الترخيص. وقد نصت المادة 61 من القانون 144 الصادر في 31 تموز 2019 على ملاحقة كل شخص استثمر عقاراً كمقلع أو مرملة أو كسارة، من دون ترخيص قانوني أو خالف الترخيص الممنوح له حتى سداد كل الضرائب والرسوم والبدلات المتوجبة عن كل سنوات الاستثمار ابتداءً من العام 2004 وإنجاز كل الموجبات الملقاة على عاتقه لرفع الضرر البيئي الذي سبّبه. ويعتبر هذا القانون قاطعاً لمرور الزمن.
في هذا السياق، يؤكد المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية ان المصلحة وجهت بتاريخ 13 شباط 2020 وبمناسبة طلبات نقل “الستوك”، كتباً الى كل من وزراء المال والطاقة والمياه والبيئة والداخلية، طلبت بموجبها تطبيق المادة 61 من القانون 144 الصادر في 31 تموز 2019 (الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2019) وإيقاف كل طلبات الاستثمار ونقل الستوك في حوض الليطاني الى حين تطبيق النص المذكور والزام أصحابها بإنجاز كل الموجبات الرامية الى رفع الضرر البيئي مما يحقق العدالة البيئية في حوض الليطاني. وأشارت المصلحة في كتبها الى ان السماح بسحب الكميات المستخرجة من دون ترخيص او بمخالفة الترخيص او بموافقات غير قانونية، من شأنه ان يحول دون تطبيق نص المادة 61 من قانون الموازنة، ومن شأنه ايضا ان يهدر الأموال العامة ويفاقم الضرر البيئي. ويعتبر علوية ان الجرائم البيئية المتعلقة بقطاع المقالع والكسارات، هي “من اهم الجرائم التي ارتُكبت بحق لبنان، وهي اشد خطورة من جرائم الحرب الاهلية والجرائم المالية، وتشكل مخاطر هذه الاشغال والاهمال المنظم لحماية المواقع التي استبيحت بالحفر اخطر من الحرائق التي تنشغل بها الشاشات، وهنا تبدو مسؤولية ومهمات كل من التنظيم المدني في تصنيف الاراضي والمواقع، ودور وزارة البيئة في حماية المواقع الطبيعية والموارد المائية، اضافة الى استحداث البدائل لتأمين حاجة السوق بالتنسيق مع وزارة الصناعة، وفيما يبحثون عن فلس الارملة فان الرسوم والغرامات المتوجبة على المستثمرين المخالفين بموجب قانون موازنة 2019 ومرسومه التطبيقي تبلغ اكثر من 3 مليارات دولار، عدا عن الضريبة على القيمة المضافة والرسوم البلدية”. كما يشدد علوية على “ضرورة تنظيم الكسارات لان الغاءها لا يوفر الحجارة والبحص للبنان، وهناك المقالع والكسارات والمرامل التي يجب ان تنظم، ويجب ان تكون الاستثمارات في مشاعات الدولة كي تراقب كل هذه الامور. ولا بد من التذكير بوجود انواع من الأضرار، منها ما يتعلق بالمناطق ذات الغطاء الأخضر، والمتفجرات التي تزعزع أساسات المنازل وتساهم في حدوث تصدعات فيها وتسبب الامراض، وكذلك تلوث المياه الجوفية وجفاف بعض الينابيع، اضافة الى ما ينتج عنها من غبار يقتل النباتات والاشجار ويتسبب بمشاكل صحية لدى الذين يتنشقونه، وتشوّه المناطق بشكل عشوائي”.
بالفعل، الأموال العامة المنهوبة والثروات الطبيعية المهدورة من جراء أنشطة المقالع والكسارات والمحافر يبدو جلياً في حالات العمل بدون ترخيص او العمل بموجب اذونات من وزارتي البيئة او الداخلية او المحافظين، او من خلال التواطؤ الرسمي الناجم عن السماح باستثمار مساحات بعشرات اضعاف المساحات المرخصة، والأكثر هدراً للمال العام هو سكوت الجهات المعنية او سماحها باستثمار مقالع ومحافر على الأملاك العامة لتنطوي الجريمة على تهرّب ضريبي واعتداء على الأملاك العامة، إضافة الى الجرم البيئي.
تُعتبر مشكلة المرامل والكسارات في لبنان من المشاكل القديمة الجديدة، وهي نموذج للفلتان الذي يتفاقم يومًا بعد يوم بسبب عدم ملاحقة المخالفين وعدم تطبيق القوانين وذلك بحجج منها اللوجستية والإدارية والسياسية وغيرها، والتي تسمح لأصحاب المرامل والكسارات العشوائية بنهش جبال لبنان ووديانه، مخلّفين تشويهًا كاملا لأماكن طبيعية مهمة في كل الأقضية اللبنانية. وكمختلف الملفات، فإن إدارة مشكلة المرامل والكسارات موزّعة بين عدد من الوزارات منها البيئة والداخلية والبلديات والطاقة. وعلى رغم صدور عدد من المراسيم والقوانين لتنظيم عمل المرامل والكسارات، إلا أن الفلتان في استغلال المقالع والكسارت زاد في الفترة الأخيرة بسبب الرُّخص التي تعطى استنسابيا من قِبل عدد من الإدارات الرسمية، إما تحت عنوان استصلاح أرض، أو إنشاء مصانع، أو مهلة إدارية وغيرها.


