خاص- عن لبنان الفكرة (1)

بقلم إيلي رزق
رئيس هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية الخليجية، رئيس ومؤسس نهج الإنماء
لبنان وُلد فكرة قبل أن يكون دولة.
فكرة الحرية.
فكرة التعدد.
فكرة الانفتاح على العالم العربي والعالم الأوسع.
لكن الفكرة وحدها لا تكفي لبناء دولة، كما أن الدولة من دون فكرة واضحة تتحول إلى إدارة بلا روح.
ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة مالية أو اقتصادية، بل أزمة في تعريف الدولة نفسها.
اختلطت المفاهيم، وتداخلت المرجعيات، وتراجعت الثقة.
وحين تتراجع الثقة، يختل العقد بين المواطن والدولة.
الدولة ليست مجرد مؤسسات.
هي مرجعية واحدة للقانون،
وإطار جامع للقوة،
ونظام واضح لإدارة المال العام،
وآلية عادلة لتوزيع الفرص.
حين يشعر المواطن أن الدولة تحميه، يبقى.
وحين يشعر أنها غائبة أو مترددة، يبحث عن بديل:
بديل أمني،
بديل اقتصادي،
أو حتى بديل جغرافي عبر الهجرة.
لبنان لم يفقد موارده.
ولم يفقد طاقاته البشرية.
لكنه فقد وضوح العلاقة بين الفكرة والدولة.
في مراحل سابقة، استطاع لبنان أن يكون مساحة حرية في محيط مضطرب، وأن يشكل جسراً اقتصادياً وثقافياً.
لكن ذلك كان ممكناً حين كان القرار واضحاً، وحين كانت المؤسسات تعمل ضمن إطار واحد.
اليوم، لا يكفي أن نرفع شعار الإصلاح.
الإصلاح يبدأ بإعادة تعريف معنى الدولة.
الدولة ليست خصماً للقطاع الخاص.
وليست بديلاً عن المجتمع.
الدولة هي الإطار الذي ينظم القوة ويضمن العدالة ويخلق بيئة للاستثمار.
لا اقتصاد من دون دولة قوية.
ولا دولة قوية من دون سيادة واضحة.
ولا سيادة حقيقية من دون قرار موحد.
هذا لا يعني الانغلاق أو المواجهة، بل يعني التنظيم.
تنظيم العلاقة بين المؤسسات،
تنظيم العلاقة بين السلطة والمال،
وتنظيم العلاقة بين الداخل والخارج.
لبنان لا يحتاج إلى شعارات أعلى صوتاً،
بل إلى أفكار أوضح.
نحتاج إلى الانتقال من دولة ردّ الفعل إلى دولة الرؤية.
من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار.
من اقتصاد يقوم على الريع إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج.
الفكرة اللبنانية ما زالت حيّة.
لكنها تحتاج إلى دولة توازيها قوةً ووضوحاً.
لبنان ممكن…
إذا استعدنا معنى الدولة.



