تحذيراتٌ دوليّة عن خطر انهيار القطاع الخاص… ماعلاقة لقاح «كورونا»

كتبت سابين الأشقر في “الديار “:
وهل من آذانٍ تسمع؟!
«واقع أليم» عبارة تختصر وضع لبنان الإقتصادي الّذي عانى وما زال يعاني حاليّاً بسبب جائحة كورونا التي زادت «الطين بلّة». القطاع الخاص في لبنان يواجه خطر الإنهيار وخوف المؤسسات الدولية وتحذيرها الدائم من تفاقم الصعوبات الإقتصاديّة خير دليلٍ لما يتّجه إليه لبنان. فرضت الدّولة اللبنانيّة الإغلاق تفادياً لكوارث صحيّة، ففاقمت كورونا الكوارث الإقتصاديّة التي أتت كضربة قاسية وموجعة للقطاع الخاص.
ماذا جاء من تحذيرات في الدراسة الأخيرة التي أعدّتها لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا، «إسكوا»؟ ما علاقة لقاح كورونا بتفاقم الأزمة الإقتصادية؟ وأين يكمن الحلّ «المعجزة» الذي سينتشل لبنان من «الموت البطيء»؟
قامت منظمة الإسكوا التابعة للأمم المتحدة بدراسة شملت القطاع الخاص في لبنان، وتأتي هذه الدراسة ضمن سلسلة دراسات لتقييم أثر جائحة كورونا، تُعدّها الإسكوا لدعم الدول العربية للتخفيف من آثار الأزمة الصحية. دقّت المنظمة من خلال الدراسة التي أعدّتها جرس الإنذار بإتجاه المسؤولين اللبنانيين لعلّهم يسمعون، فوصفت المنظمة الإقتصاد اللبناني بـ «الواقع الأليم» وتحديداً القطاع الخاص.
ترجمة «الواقع الأليم» بالأرقام!
أشارت دراسة الإسكوا إلى «تراجع بنسبة 20 في المئة بالإقتصاد إثر تراجع نشاط القطاع الخاص»، ما شكل ضربة قاسية للناتج المحلي الإجمالي وللإيرادات الضريبية لخزينة الدولة، التي «انخفضت بحوالى 17 في المئة». وأضاف التقرير مفصِّلاً بالأرقام واقع القطاعات، على سبيل المثال؛ «إن مبيعات قطاع البناء تراجعت بنسبة 45.2 في المئة، الفنادق والمطاعم 41.2 في المئة، الصناعة التحويلية 44.7 في المئة، النقل 46.6في المئة، وتجارة الجملة وتجارة التجزئة 47.8 في المئة. مبيعات القطاع الخاص في لبنان تراجعت بنسبة 45 في المئة، مع تسريح 23 في المئة من القوى العاملة في القطاع». هذا الواقع المرير انسحب أيضاً على ديون الشركات التي قسمها التقرير إلى شركات متضررة حيث سجل ارتفاع الديون بالدولار الأميركي 80 في المئةوشركات غير متضررة 62 في المئة»، وهو ما انسحب بدوره على تشغيل النساء في القطاع الخاص حيث تراجع هذا التشغيل بنسبة بين 16 و21 في المئة. ووقعت غالبية شركات القطاع الخاص تحت وطأة الديون بالدولار، مما عرضها وخاصة غير المصدرة منها، لمخاطر مرتبطة بأسعارالصرف، حيث يتخطى سعر الدولار في السوق الموازية 8500 ليرة مقابل الدولار الواحد، بينما يبلغ سعره الرسمي 1515 ليرة لبنانية».
كورونا ضربة صحيّة وإقتصادية معاً!
ذكرت الإسكوا، أنّ «تفشي كورونا أدّى إلى انخفاض الطلب على اليد العاملة بدوام كامل في المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر التي يعمل فيها القسم الأكبر من الفئات الفقيرة المعرضة للمخاطر، وخاصة في قطاعات البناء والفنادق والمطاعم والصناعة التحويلية». يشرح البروفسور مارون خاطر، أستاذ محاضر وباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة لـ «الديار» أنّ «عدم الإستقرار السياسي وتراكم الأزمات المالية والنقدية أدّيا إلى تصدعات خطيرة هددت الإقتصاد اللبناني ومستقبله». يضيف البروفسور خاطر «تزامنت جائحة كورونا في لبنان مع أزمة اقتصادية حادَّة هي الأسوأ في تاريخه الحديث، أثرت تداعيات هذه الأزمة على القطاع الخاص الذي يشكل ركيزة الاقتصاد القائم أصلاً على المبادرات الفردية في غياب المخططات التوجيهية للدولة». ويشير إلى أنّ «المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم (SME) تشكِّل أكثر من 95% من إجمالي عدد المؤسسات العاملة في لبنان وهي بأغلبيتها مؤسسات عائلية (Family Business) انهكت الجائحة هذه الشركات التي تخوض صراعاً من أجل البقاء، وقضى الإقفال العام المحق بأسبابه والقاتل بتداعياته على ما تبقى من قدرة القطاع الخاص على الصمود. تهاوت أرقام المبيعات وهي المصدر الوحيد للسيولة بسبب تعثر المصارف، فبات الإفلاس قدراً محتماً لا يمكن تفاديه».
أين يكمن الحلّ «المعجزة»؟
قالت الأمينة التنفيذية للإسكوا رولا دشتي أن «لبنان مطالب بوضع خطة إنقاذ للمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، للحدّ من البطالة ودعم الاستثمار، وذلك من خلال دعم شركات القطاع الخاص الرسمي بتأجيل سداد الديون والإعفاء الضريبي». وأكّدت دشتي أن «الحاجة ملحة إلى تقديم قروض بشروط ميسرة لتلبية متطلبات التدفق النقدي في أوقات الطوارئ، وذلك لتجنب الإفلاس الجماعي وخسارة المزيد من الوظائف».وشددت على «الحاجة لتقديم الحوافز للنهوض بأنشطة الإنتاج في الشركات المصدرة»، مؤكّدةً أنه «في ظل ضعف القدرة المالية للبنان، المطلوب تمويل دولي وإقليمي لتطبيق برامج اجتماعية وحماية اليد العاملة، للتقليل من احتمالات زيادة نسبة الفقر في لبنان البالغة 55 في المئة». في السياق عينه يوضح الخبيرالإقتصادي د. ايلي يشوعي أنّ «لبنان ليس على استعداد وليس بإمكانه تنفيذ أي من الحلول المطروحة قبل تشكيل الحكومة»، معتبراً أنّ «الخطط الإنقاذيّة موجودة لكن ينقصها توافر الإرادة، وأصحاب الإختصاص المستقلّين الّذين يتمتعون بالنزاهة والوطنيّة لوضع خططٍ إنقاذيّة فعليّة وتطبيقها من أجل إنقاذ لبنان».
ما علاقة لقاح كورونا؟
توقعت الدراسة أن «يتفاقم الانكماش خلال هذا العام ما لم يوزع لقاح كورونا في الوقت المناسب». في هذا السياق يقول البروفسور خاطرأنّ «اللَقاح يشكّل الأمل الوحيد الذي قد يؤدي إلى تراجع الجائحة. قد يسهم ذلك بجعل البدء بتقييم الاضرار ووضع الخطط الأولية للنهوض ممكناً إن ترافق مع دعم دولي ودور فاعل وأساسي للدولة الغائبة». ويشير البروفسور خاطر إلى أنّ «فجوات عديدة لا زالت تشوب خطة التلقيح من حيث أعداد اللقاحات المتوفرة وأولويات توزيعها، وقد يؤدي عدم كفاءة توزيع اللقاحات وعدم توافرها إلى تمديد الإقفال مما قد يفاقم أزمة القطاع الخاص فتضعف قدرته على الصمود مما قد يتسبب بكارثة اجتماعية وإنسانية حقيقية».
لم يسلم لبنان من هذا الواقع منذ عام 2019، إذ منذ أواخر العام دخل الإقتصاد اللبناني في هبوط مستمر في مؤشراته التي تفاقمت مع انهيار سعر صرف الليرة، ومن ثمّ كارثة انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، ويليها تفشي فايروس كورونا، لكنّ الأهمّ اليوم التعامل مع التحذيرات الدوليّة بجدّية، لعلّ لبنان يخرج من واقعه المتأزم، فهل من يسمع؟



