أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

التنصّل من الوعود… سياسة لا زلّة (اللواء ٧ شباط )

لم يعد التنصّل من الوعود في لبنان حادثة عابرة أو سوء تفاهم سياسي، بل تحوّل إلى نهج معتمد تمارسه السلطة التنفيذية كلما تعلّق الأمر بحقوق الناس، وخصوصاً حقوق العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام. فمنذ عام 2025 حتى اليوم، تتكرّر الوقائع نفسها: التزام يُعلن، ثم يُسحب بعد ساعات أو أيام قليلة، وآخر هذه النماذج ما جرى مع رابطة قدماء القوى المسلحة اللبنانية وتجمّع العسكريين المتقاعدين، حيث تراجع وزير المال عن وعدٍ واضح أُعطي برعاية رئيس الحكومة دولة الرئيس نواف سلام.

هذه الممارسة ليست تفصيلاً، بل مؤشر خطير إلى طبيعة المقاربة التي تعتمدها الحكومة في إدارة الأزمة. فبدل السعي إلى تحقيق انتظام اجتماعي يعيد الحد الأدنى من العدالة والكرامة، يجري التركيز حصراً على ما يُسمّى «الانتظام المالي»، وكأنه هدف منفصل عن حياة الناس ومعيشتهم. والأسوأ أن هذا الانتظام يُبنى على حساب أموال المودعين، ورواتب الموظفين، ومعاشات المتقاعدين، ولا سيّما العسكريين الذين خدموا الدولة في أصعب مراحلها ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن الوطن ومؤسساته.
إن الانهيار الذي نعيشه اليوم ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي وإداري مزمن، ولنهج قائم على الهدر وشرعنة المخالفات. وهنا ينطبق على هذه السلطة المثل الشعبي القريب إلى ذهن اللبنانيين: «حاميها حراميها». فالجهة التي يُفترض بها حماية المال العام وحقوق المواطنين، تحوّلت إلى جزء أساسي من منظومة التفريط، فيما تُرك الناس يواجهون مصيرهم وحدهم.
وتتجلّى هذه الحقيقة أكثر في ملف أموال المودعين وتعويضات نهاية الخدمة. فأموال الناس ما زالت غائبة بلا أي مسار واضح للاسترداد، وتعويضات نهاية الخدمة التي راكمها الموظفون والعسكريون على مدى عقود فقدت معظم قيمتها بفعل التضخم والانهيار النقدي، من دون أي تصحيح أو حماية. في المقابل، جرى تعويض هذا الانهيار عبر ضرائب ورسوم غير عادلة فُرضت على الاستهلاك، أي من جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود، الذين نُهبت رواتبهم ومعاشاتهم مرّتين: مرة عبر تآكل قيمتها الشرائية، ومرة عبر تحميلهم كلفة الأزمة بدل محاسبة المسؤولين عنها.
وتتعمّق المفارقة أكثر في مقاربة وزارة المال، حيث تُتَّخذ قرارات مصيرية تمسّ رواتب الناس ومعاشاتهم التقاعدية من دون وجود حساب قطع، أي من دون أي كشف شفاف عن حجم الواردات الفعلية والنفقات الفعلية للدولة. فكيف يمكن لوزير المال أن يتحدّث عن انتظام مالي فيما تُدار المالية العامة بلا ميزان محاسبي مكتمل؟ إن غياب حساب القطع لا يحجب الأرقام عن الرأي العام فحسب، بل يشكّل مخالفة دستورية صريحة تضرب مبدأ الشفافية والرقابة البرلمانية، وتسقط أي ذريعة قانونية لتجميد الحقوق أو وقف الزيادات.
أما مجلس النواب، الذي بدا خلال مناقشات الموازنة وكأنه في موقع الاعتراض والتشدّد، فقد خيّب الآمال مرة جديدة. فكثير من الخطابات النارية انتهى مفعولها عند حدود المنبر، وتحوّلت الجلسات إلى مساحة استعراض سياسي وانتخابي، لا إلى ساحة رقابة فعلية أو تعديل جوهري لمسار مالي واجتماعي خاطئ. وهنا تقع مسؤولية كبرى على الرأي العام، لأن إعادة إنتاج السلطة نفسها تعني حتماً إعادة إنتاج السياسات نفسها والنتائج نفسها.
في هذا السياق، يبرز حراك العسكريين المتقاعدين كصوت احتجاجي منظّم، لا كحالة فوضوية أو شعبوية. هؤلاء أبناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وحماة الاستقرار، وما زال كثيرون منهم في موقع الاحتياط. مطالبهم ليست تعجيزية، بل تتمحور حول حق بديهي: العيش بكرامة والحفاظ على الحقوق التي كفلها القانون.
إن الاستمرار في التنصّل من الوعود، والتعامل مع حقوق الناس كأرقام قابلة للشطب، يحمل مخاطر جدّية على الاستقرار الاجتماعي. فالجائع، والمهمّش، ومن صودرت حقوقه، لا يمكن أن يُطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية.
أما التذرّع بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فلم يعد مقنعاً. فهذه المؤسسات تعرف أن جوهر الأزمة اللبنانية ليس في الرواتب ولا في معاشات التقاعد، بل في سلطة فاسدة أساءت إدارة المال العام وبدّدت الموارد من دون محاسبة. التفاوض مع الخارج لا يمكن أن يكون ذريعة لمعاقبة الداخل.
الكرامة ليست بنداً ثانوياً في الموازنة، وحقوق الناس ليست عبئاً على الدولة. ومن يراهن على تعب المواطنين وصبرهم، يغامر بمستقبل بلد لم يعد يحتمل المزيد من الأخطاء…

بواسطة
العميد المتقاعد مارون بدر
المصدر
اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى