السلام الحقيقي: التحديات والآمال في ظلّ رئاسة جوزاف عون (اللواء ١٠ آذار)

يحذرنا سبينوزا، في كتابه «المعاهدة السياسية» الذي كتبه عام ١٦٧٧، من وهم خطير: الإعتقاد بأن غياب الحرب يكفي لضمان السلام. بالنسبة له، المدينة التي يطيع فيها المواطنون بدافع الخوف ليست في حالة سلام، بل في حالة خضوع. السلام الحقيقي هو فضيلة قائمة على العقل وقوة الروح، وليس على الجمود أو الإرهاب. هذا التمييز أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى، في وقت يخلط فيه بعض القادة بين الهدوء المفروض والسلام الحقيقي.
في 28 شباط، قدّم دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس مثالًا صارخًا على هذا الإلتباس. في محاولتهما فرض إستسلام على فولوديمير زيلينسكي، أظهرا إزدراءهما للمبادئ الديمقراطية. هذا «السلام»، الذي يريدانه بالقوة والخضوع لفلاديمير بوتين، يبدو أقرب إلى خيانة منه إلى حلّ مستدام. فالسلام الحقيقي يتطلب العدل والإحترام المتبادل، وليس الخضوع لسيادة الأقوى.
دروس من التاريخ
التاريخ يقدم لنا بعض الدروس الواضحة. المصالحة بين فرنسا وألمانيا، التي تجسدت في المصافحة الرمزية بين فرانسوا ميتران وهلموت كول في فردان، تعد مثالًا ساطعًا. كان هذان البلدان عدوين، لكنهما أصبحا ركيزة الاتحاد الأوروبي، مما يثبت أن السلام ممكن عندما يتم استيعاب دروس الماضي. بعد عقود من الحروب الدموية، نجحت هاتان الدولتان في بناء سلام دائم قائم على الإحترام المتبادل وذاكرة الأخطاء الماضية. اليوم، يمكن لهذا الثنائي الفرنسي-الألماني، إلى جانب المملكة المتحدة، أن يكون المنقذ ليس فقط لأوكرانيا، بل أيضًا لأوروبا والديمقراطية والقيم الإنسانية.
على النقيض، تُظهر إتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر عام ١٩٩٧، ثم مع الأردن عام ١٩٩٤، حدود السلام المفروض من الأعلى. فرغم أنها أنهت الأعمال العدائية، إلا أنها لم تُقبل شعبيًا بالكامل. لا تزال الضغائن والصور النمطية قائمة، تغذيها عقود من الظلم المتصور. كان سبينوزا سَيرى في هذا مجرد سلام ظاهري يخفي جمرًا قد يشتعل في أي لحظة.
أما الاتفاقيات الأخيرة بين إسرائيل وبعض دول الخليج، فتبدو أكثر وعدًا، لكنها تستند إلى المصالح الاقتصادية أكثر من المصالحة الحقيقية. ثروة هذه الملكيات تجعل هذه الإتفاقيات أكثر قبولاً، لكن غياب العمليات الديمقراطية الحقيقية يحدّ من تأثيرها. ومرة أخرى، يذكّرنا سبينوزا بأن السلام القائم على المصالح وليس على العدل يظل هشًا.
لبنان وسوريا: بداية أمل؟
على الصعيد الأقرب إلينا، أعادت القمة التاريخية بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في القاهرة في الرابع من آذار ٢٠٢٥ الأمل في تحقيق سلام حقيقي بين لبنان وسوريا. بعد عقود من الإحتلال السوري الذي اتسم بالعنف والنهب، كشف نفي بشار الأسد إلى روسيا عن حجم الجرائم التي أرتكبها نظامه. الإعتراف بمسؤوليته عن إغتيال كمال جنبلاط وبشير الجميل ورفيق الحريري يفتح الباب أمام مصالحة ممكنة.
إلا أن هذا السلام لا يزال هشاً في ظلّ استمرار النفوذ الإيراني، الذي وإن كان في تراجع، إلا أنه لا يزال يشكل تهديدًا، كما أن وجود حزب الله في لبنان، ما لم يندمج في الإطار الدستوري اللبناني، يظل عقبة حقيقية أمام استقرار البلاد. وكما كان ليقول سبينوزا: «لا يمكن أن يكون السلام حقيقيًا إلا إذا قام على الحرية والعقل، وليس على الخوف والخضوع».
لبنان وإسرائيل: السلام المفروض أم الاختيار الحر؟
يبقى السلام بين لبنان وإسرائيل سؤالًا مفتوحًا. إذا تم فرض هذا السلام من قبل قوى خارجية، فقد يشبه الهدنة التي يحاول ترامب فرضها في أوكرانيا: هدنة أكثر منها مصالحة. لكي يكون هذا السلام مستدامًا، يجب أن يُقرره اللبنانيون بأنفسهم بحرية، بعد أن تُزال التأثيرات الخارجية، ويتم تحرير البلاد من الميليشيات المسلحة، وينسحب الإحتلال الإسرائيلي، وتُقام دولة فلسطينية. إنّ حرية إختيار المصير هي التي تمَيّز بين السلام الخانع والسلام الأصيل.
السلام: بناء صبور أم مجرد توازن قوى؟
يدعونا سبينوزا إلى فهم أن السلام أكثر من مجرد غياب للحرب: إنه بناء طويل قائم على العدالة والقانون والعقل. وكما قال أندريه كونت-سبونفيل، فإن المقولة اللاتينية «Si vis pacem, para bellum» (إذا كنت تريد السلام، فإستعد للحرب) قد تكون مضلِّلَة إذا دفعتنا إلى الإعتقاد بأن توازن القوى وحده يكفي لضمان السلام.
السلام المُستدام لا يمكن أن يقوم إلّا على مؤسسات عادلة وإرادة صادقة للشعوب في العيَش المشترك.



