أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

ما انعكاس الاعتداء على الدوحة لبنانياً؟ (الديار ١١ أيلول)

هل يستفيد لبنان الرسمي من “الدرس” القطري؟ وهل تتغير الاستراتيجية الخليجية في مقاربة الملفات بعد الاستباحة الاسرائيلية لسيادة دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي؟ وهل يمكن لاحد التبجح والحديث عن ضمانات اميركية؟ اسئلة تطرح بقوة بعد دقائق من انقشاع غبار الصواريخ ال13 التي هزت الدوحة، ومعها الثقة بجدوى الحماية الاميركية لدول حليفة يتبين ان لا قيمة لها عندما يكون الطرف الآخر في المعادلة”اسرائيل”… واذا كانت النتيجة المباشرة للحدث هي سقوط ما يسمى “بالضمانات الاميركية”، فان الكثير من الاسئلة مطروحة الان ومنها اذا كان حلفاء ذات قيمة اقتصادية ومالية واستراتيجية يمكن التعامل معهم بهذه الطريقة ، فما هو حال حلفاء واشنطن اللبنانيين الذين لا يملكون شيئا ويقدمون فروض الطاعة دون اثمان؟ والسؤال الثاني يرتبط باحتمالات تاثير هذا الحدث في الملف اللبناني؟

وفق صحيفة “واشنطن بوست الاميركية” خشيت قطر من هجوم يستهدف اراضيها بعد أن حذر رئيس اركان العدو إيال زامير، في 31 آب من أن “معظم قادة حركة حماس المتبقين هم في الخارج، وسنصل إليهم أيضا”. عندئذ سعت الدوحة للحصول على ضمانات من جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) والبيت الأبيض بأن مثل هذا الهجوم لن يحدث على الأراضي القطرية. وقد قدمت التعهدات، من قبل واشنطن وتل أبيب، لهذا كان هجوم الثلاثاء “مفاجأة تامة” وغادرة، حسب مسؤول قطري…!

هذه الرواية تضعها اوساط سياسية بارزة في عهدة المهرولين باتجاه تنفيذ الاجندة الاميركية المعنية اولا واخيرا بمصالح “اسرائيل”، وتراهن على صحوة عربية ازاء حقيقة المخاطر التي تشكلها حكومة اليمين المتطرف في كيان العدو، لان انتهاك سيادة قطر تشكل كسرا لقواعد سياسية وعسكرية عربية وإقليمية، وفي ذلك دلالات لا يمكن الاستهانة بها بعد الآن، ليس في قطر فحسب، بل في كل المنطقة العربية. ولهذا يمكن توقع استمرار عملية “التبريد” السياسية داخليا بدفع عربي – خليجي هذه المرة بعدما احدثت الغارات الاسرائيلية تبديلا في الاولويات. فالعدوان الأخير يعد توسيعا لسياق الهجمات على ثلاث دول عربية، سوريا ولبنان واليمن، وإذا أضفنا إلى ذلك تهديدات نتنياهو الأخيرة لمصر، فإن ما حدث هو إعلان صريح بسقوط السيادات العربية، وتأكيد أنها لم تعد تمثّل حاجزا تقف عنده “إسرائيل”.

هذه الاستنتاجات تتوافق مع ما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز” الاميركية، التي رجحت ان تقلب العملية الإسرائيلية لاغتيال قادة حماس في الدوحة أسس النظام الذي تقوده أميركا في الشرق الأوسط. واشارت الى أن “قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، واشترت أنظمة دفاعية بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة، وأهدت مؤخرا طائرة بوينغ فاخرة للرئيس ترامب. ومع ذلك، لم يمنع أي من ذلك إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، من شن هجوم عسكري وقح على الأراضي القطرية”… وتنقل الصحيفة عن مصدر خليجي قوله “ان ما حصل اختبار حاسم وإذا لم يتخذ حكام الخليج أي إجراء حازم الآن، فلن يكونوا سوى جزء من فلك النفوذ الإسرائيلي ونظام إقليمي تقوده اسرائيل”…

هذا المطلوب خليجيا، اما لبنانيا، فتتوقع اوساط مطلعة ان يتم الاستثمار على هذا الحدث لتعزيز التوافق الاخير الذي تم نسجه بين بعبدا وعين التينة لتعزيز مسار التهدئة الداخلية ومعالجة ملف حصرية السلاح بعيدا عن الاملاءات والضغوط الخارجية، بالاستفادة من اجواء خليجية يفترض ان تكون اكثر مرونة في التعامل مع الساحة اللبنانية. لكن الخطر الاكبر يبقى في “الجنون” الاسرائيلي الذي لم يعد يمكن التكهن بحدوده، واذا كانت الطائرات الاسرائيلية شنت عدوانا على اليمن بالامس، في مقدمة اعتداءات ستتوسع لتعويض الاخفاق الامني في الدوحة بعد فشل اغتيال قيادة حماس، ولان محاولة الاغتيال فشلت في إحداث اختراق يخرج إسرائيل من المأزق الحالي، ويعطيها فرصة لإملاء شروطها والظفر بصورة انتصار، فان القلق يكبر ازاء سعي رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو لتعويض الاخفاق بتوسيع دائرة استهدافاته من خلال البحث عن اهداف “دسمة” في المنطقة ومنها الساحة اللبنانية حيث لا توجد اي “خطوط حمراء” امامه في ظل الدعم الاميركي المفتوح، ودائرة الاستهداف هذه المرة تتسع لتشمل قيادات سياسية ونيابية مرتبطة بالمقاومة، ولهذا رفعت درجات الحيطة والحذر لدى تلك الشخصيات لان التهديدات باتت اكثر من جدية ولا يمكن حصرها جغرافيا… كما ان توسيع مدى الغارات وتكثيفها قد يكون جزءا من صورة المرحلة المقبلة.

في الخلاصة، فان ارتفاع المخاطر لا يرتبط فقط بنزعة “اسرائيل” للهيمنة على المنطقة، وبحثها عن “صورة” انتصار، بل لان هجوم الدوحة لم يكن ليقع من دون موافقة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، الذي كان الضيف الاستثنائي لقطر (والسعودية والإمارات) في أيار الماضي، ولم يشفع للدوحة اهداؤه مليارات الدولارات اضافة الى طائرة خاصة، فالرئيس الأميركي، الذي كان يراهن على قضايا المال والاقتصاد و”التطبيع” العربي مع إسرائيل، اقتنع، بعد فشله في حل النزاع في أوكرانيا وغزة بمنهج إسرائيل باستخدام المزيد من القوة لفرض سلامه الخاص، فقرر تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب، وهو يشق طريقه نحو تحويل “الاسم الى مسمى” في العالم وقد يبدأ بغزو فنزويلا. ولهذا فان العالم والمنطقة ولبنان على موعد مع “حفلة جنون” لا يمكن التكهن بنتائجها، واذا لم يحدث ما يعيد التوازن والردع، سياسيا، وامنيا، فان الامور تتجه نحو الاسوأ.

بواسطة
ابراهيم ناصرالدين
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى