Leb Economy يتحقّقأخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- سعر الصرف تخطى الـ100 ألف والتضخم الـ1000% .. أين أضحى لبنان من السيناريو الفنزويلي؟

كتب د. فادي علي قانصو، الأمين العام المساعد لإتحاد أسواق المال العربية:

مع دخول الاقتصاد اللبناني فعلياً نفق الركود التضخّمي وما رافقه من تردي في الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية، تبادر إلى مسامعنا على مدى سنوات الأزمة، الكثير من التساؤلات حول مدى انطباق السيناريو الفنزويلي على الاقتصاد اللبناني.

في الواقع، يصحّ القول بأن جذور الأزمة الاقتصادية في كلا البلدين تتشابه إلى حدّ كبير، لا سيّما أولاً، على صعيد الأزمات السياسية الداخلية في كلّ من فنزويلا ولبنان، أو ثانياً، على صعيد افتقار البلدين إلى التنوّع الاقتصادي، أم ثالثاً، لجهة تفشي ظاهرة الفساد في إدارات الدولتين، ناهيك رابعاً، عن لجوء حكومات فنزويلا ولبنان إلى الاستدانة المفرطة لسنوات طويلة، ما أدّى بطبيعة الحال إلى أزمة مالية ونقدية حادّة في فنزويلا في العام 2018، من تضخّم جامح في الأسعار بلغ مستويات قياسية، وصلت إلى حوالي 2,000%، نتيجة الانهيار اللافت في قيمة البوليفار الفنزويلي مقابل الدولار من 10 بوليفار للدولار الواحد في آب 2012 إلى 6 ملايين بوليفار للدولار في آب 2018، قبل أن يطلقوا عملة جديدة، شطبوا معها 5 أصفار من العملة القديمة.

ولكن ما لبثت العملة الجديدة أن انهارت بدورها ليقوموا من جديد بشطب 6 أصفار أخرى في أيلول 2021، ما يعني في الإجمال شطب 11 صفر (أي ما يوازي 100 مليار) بين عامي 2018 و2021، مع الإشارة إلى أن فنزويلا كانت قد شطبت 3 أصفار بين عامي 2008 و2012، ما يعني شطب 14 صفر خلال 13 عاماً وما زالت الأزمة الفنزويلية حاضرة وبقوة. وهو ما بدأنا نشهده مؤخراً في لبنان مع معدّل تضخّم في الأسعار تخطّى عتبة الـ1000%، وذلك بالتوازي مع ارتفاع لافت في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق الموازية إلى مستويات غير مسبوقة تخطت مستوى المائة ألف ليرة للدولار الأميركي الواحد، أي أكثر من 66 ضعف مستوى ما قبل الأزمة.

الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية د. فادي قانصو

أولاً، على صعيد تفاقم وتيرة الأزمات السياسية الداخلية، شهدت فنزويلا خلال العقد المنصرم أزمات سياسية خطيرة زعزعت الاستقرار الداخلي في البلاد لا سيّما في أعقاب الحصار الأميركي المُحكم، مروراً بالصراع المحتدم على السلطة، وهو ما يتقاطع إلى حدّ كبير مع ما شهده لبنان خلال العقدين المنصرمين، بحيث دخل الأخير منذ العام 2004 وحتى يومنا هذا نفقاً قاتماً من الانقسامات السياسية الحادّة والخضّات الأمنية من تفجيرات واغتيالات، ناهيك عن الشلل المُحكم الذي خيّم على معظم أطياف مؤسسات الدولة.

ثانياً، على صعيد الافتقار إلى التنوّع الاقتصادي، يُعدّ النفط من أهم صادرات فنزويلا، خاصةً مع بداية القرن الماضي وصولاً إلى العام 2015، إذ كانت تُقدّر نسبة عائدات النفط بحوالي 95% من إجمالي عائدات الدولة، ولكن مع انهيار سعر برميل النفط من ما يقارب 100 دولار للبرميل الواحد في العام 2014 إلى أقل من 50 دولار في العام 2016، أصبحت العائدات النفطية لا تتجاوز 18% من مجموع الصادرات. من جهته، يفتقر اقتصاد لبنان بدوره إلى التنوّع الاقتصادي بحيث يستحوذ فيه القطاع الثالث، أو ما يُعرف بقطاع الخدمات، على أكثر من ثلثي حجم الاقتصاد. وهو القطاع الذي يشمل السياحة مع المطاعم والفنادق والخدمات السياحية الأخرى، إضافةً إلى الخدمات المالية والعقارية والتعليمية والصحيّة، مع الإشارة إلى أن هذا القطاع يعتمد بشكل جوهري على الاستقرار السياسي والأمني في البلاد وعلى عامل الثقة بشكل عام، وهو ما افتقده لبنان فعلياً خلال العقد المنصرم.

ثالثاً، عانت بنية الاقتصاد الفنزويلي من فساد مُزمن أضعف قدرة الاقتصاد الفنزويلي على مقاومة الضغوط الأميركية القاسية خلال العقد المنصرم. إذ تحتلّ فنزويلا مرتبة متقدّمة ضمن الدول “الأكثر فساداً” عالمياً، كذلك الأمر بالنسبة إلى لبنان، فالفساد المستشري في كافة مفاصله والهدر القابض على أنفاس ماليّته العامّة وتركُّز الثروات في أيدي بعض النافذين، قوّض كافّة مقوّمات الصمود.

رابعاً، لجأت فنزويلا إلى الاستدانة المفرطة خلال سنوات ما قبل الأزمة، بحيث اقترضت الحكومة الفنزويلية الكثير من الأموال، مطمئنةً للمداخيل الهائلة من بيع النفط، إنما ومع تراجع أسعار النفط بدءاً من العام 2015، لم يعُد لديها ما يكفي للإنفاق على برامج الاقتراض وتسديد ديونها، فارتفع العجز المالي العام في فنزويلا بشكل ملحوظ منذ العام 2010 ليصل إلى 30% من الناتج في العام 2018، في حين وصلت نسبة المديونية إلى 180% من الناتج خلال تلك الفترة، أي ما يقارب نسبة المديونية في لبنان التي سجلها ما قبل الأزمة. في المقابل، ومن أجل تمويل عجوزاتها المالية لجأت فنزويلا إلى طبع الكثير من الأوراق النقدية، لتنهار بذلك قيمة البوليفار مقابل الدولار. وهو سيناريو شبيه إلى حدّ ما بما بدأ يحصل اليوم في لبنان مع لجوء المصرف المركزي إلى طبع كميّات كبيرة من النقود بالليرة اللبنانية، وهو ما تجلّى فعلياً بالارتفاع اللافت في كتلة النقد المتداول بالليرة والمقدّرة بحوالي 75 تريليون ليرة.

بواسطة
د. فادي علي قانصو، الأمين العام المساعد لإتحاد أسواق المال العربية
المصدر
خاص leb economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى