كل ما يُرسم من سيناريوات رئاسية… إلى تفجير سياسي (النهار 27 آب)

انطلقت ماكينات بعض المرشحين للرئاسة الأولى، وربما يشهد البلد تباعاً مؤتمرات صحافية لإعلان ترشيح هذه الشخصية أو تلك من خلال برامج قد تكون فضفاضة وعلى نسق البيانات الوزارية، بمعنى اللجوء الى التقليد في مثل هذه المحطات والمناسبات. إلا أن السؤال المطروح هو: هل سيغادر رئيس الجمهورية ميشال عون قصر بعبدا، أم ان البلد متجه الى تفجير سياسي ربطاً بالأجواء الحالية التي تُنقل عن الدوائر الضيقة لهذا المرجع وذاك؟ اذ ثمة معلومات أن رئيس الجمهورية وخلال اللقاء ما قبل الأخير مع الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، وعده بقبول عرضه بتسمية وزيرين درزي وسنّي مكان الحاليين عصام شرف الدين وأمين سلام، على ألّا يشكّلا أي استفزاز لطائفتيهما، وبعدها تعوّم حكومة تصريف الأعمال في المجلس النيابي عبر جلسة عامة كتجديد الثقة بها لتقطيع المرحلة ومعاودة مجلس الوزراء الاجتماع، وتحديداً الانكباب على متابعة الملفات الحياتية والاقتصادية وتأمين الأرضية الصلبة مجلسياً وحكومياً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
هذا السيناريو الذي تشير اليه أوساط سياسية عليمة لـ”النهار”، لم يصل الى النتائج المتوخاة باعتبار انه في ظل التشاور المفتوح في القصر الجمهوري لترتيب الأوضاع حكومياً ورئاسياً، كان هناك رفض قاطع من قِبل رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل لهذا المخرج، اذ أصرّ على تشكيل حكومة جديدة يكون له دور في اختيار عدد من الوزراء فيها، لا بل أن يتمثل هو شخصياً على خلفية الإمساك بزمام الأمور بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، وكي لا يُمسك الرئيس ميقاتي بدفّة الحكم لأن الدستور يجيز له ذلك. ولكن في الوقت عينه بدأت الاجتهادات الدستورية والفتاوى في القصر الجمهوري، تعمل على قاعدة أن الحكومة الحالية ليست تصريف أعمال فحسب وانما مستقيلة، وتُعتبر غير صالحة دستورياً للبقاء بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي مما يستوجب تشكيل حكومة انتقالية. وبمعنى آخر كل السيناريوات تُدرس في أروقة القصر الجمهوري لقطع الطريق على الرئيس المكلف الذي يُدرك أنه لو سُحب التكليف منه فحكومته الحالية تبقى شرعية بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، وذلك بشهادة كبار الدستوريين وخبراء الطائف مثل النائبين السابقين ادمون رزق وحسن الرفاعي. ولكن ما يجري راهناً يتخطى الدستور ويصبّ في خانة الفتاوى السياسية والتمرد الذي قد يصل اليه البلد، فبعدما كان عسكرياً أواخر الثمانينات سيكون سياسياً بفعل الأجواء السائدة حالياً. ويُنقل أن ما يُخطط ويعدّ له بين الرئيس المؤسس وتياره البرتقالي، يصبّ في عودة التظاهرات الى قصر بعبدا تحت شعار سلب صلاحيات رئيس الجمهورية من حكومة مستقيلة، الأمر الذي له محاذير خطيرة أمنياً وسياسياً، مما يعيد حقبة الحكومتين عندما كانت هناك حكومة الرئيس سليم الحص في عائشة بكار والحكومة العسكرية التي كان يرأسها العماد عون في بعبدا.
وتتابع المصادر أن النواب الذين التقوا الرئيس ميقاتي خلال الساعات الماضية، لمسوا الصعوبة الكبيرة في امكان تشكيل حكومة جديدة في ما تبقّى من عهد عون لاستحالة التأليف الذي يواجه شروطاً تعجيزية وانتقامية. وقد قال ميقاتي إنه لن يلتقي أو يحاور رئيس “التيار الوطني الحر” لدى تأليف حكومته الحالية على رغم الحاح رئيس الجمهورية، والآن هذا القرار ساري المفعول، باعتبار ان الدستور واضح، فالتأليف هو بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، ومن الطبيعي انه لن يقدم هدايا مجانية لا للعهد الحالي ولا لصهره، إذ ثمة تشكيلة حكومية مدروسة ومن شخصيات لها وزنها السياسي والاقتصادي والأخلاقي هي في عهدة عون، ولم يقبل بها، وأي تشكيلة جديدة أيضاً ستواجَه بالرفض لأن باسيل هو من سيسمي الوزراء، ما يعني إما التعديل الذي تمّ الاتفاق عليه في لقاءات بعبدا الأخيرة، وإلا ليس ثمة حلول أخرى سوى انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وحيال هذه الأجواء الضبابية، كل الخيارات متاحة بما فيها المفاجآت نظراً الى تسارع وتيرة التطورات الداخلية والاقليمية وصعوبة مراس عون وصهره، مع الإشارة هنا ووفق المعطيات المستقاة من أكثر من جهة، ان “حزب الله” الحريص على الحليف العماد عون ورئيس “التيار البرتقالي”، يتمنى تشكيل حكومة جديدة، وهذا ما أبلغه لميقاتي للحفاظ على هذين الحليفين، بخلاف موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي “يبارك” خطوات الرئيس المكلف ودوره في كيفية تعاطيه مع رئيس الجمهورية والنائب باسيل، علما ان “هامش” رئيس المجلس محدود ربطاً بالظروف المحيطة به بحكم الخصوصية مع “حزب الله”، ولكن خلال كلمته المرتقبة في صور بذكرى تغييب الامام موسى الصدر، سيرسم خريطة طريق للاستحقاق الرئاسي وربما سيطلق مواقف في غاية الأهمية تحمل أكثر من رسالة في هذا الاطار.



