أخبار لبنانابرز الاخبار

التحديات النقابية المنتظرة لمرحلة النفط والغاز في لبنان

اقتصاديًّا، دخلنا زمن الغاز والبترول الافتراضي. أقول الافتراضي، لأنه من غير المعروف بعد متى ستبدأ عملية الاستخراج الفعلية ومتى ستنتهي؟ ولا إذا كان يوجد فعلًا غاز وبترول في بحرنا؟

من هذا المنظار، لا يمكن أن نتكلم إلا عن تحديات نقابية لهذا الزمن الافتراضي، بدءًا من الفترة الحالية. خمسة تحديات تبدو لنا الأهم:

التحدي الأول: مشاركة الحركة النقابية في رسم معالم هذا الزمن
من الضروري أن تشارك الحركة النقابية في عملية التخطيط أو في القرارات بشأن عملية الاستخراج وما يليها. وخصوصاً في القرارات المتعلقة بالصندوق السيادي المفترض أن توضع فيه أرباح قطاع الغاز والبترول، والمفروض أيضًا أن ينظم قواعد الاستفادة من هذه الأموال. المطلوب “حوار اجتماعي ثلاثي”، بين الدولة والعمال وأصحاب العمل (شبه المعطل اليوم) لتأطير هذه المشاركة، ولا سيما لمناقشة خطة التعافي أو الموازنة. المطلوب أيضاً إجراء حوار نقابي مباشر مع صندوق النقد الدولي. جميعها مسائل متكاملة ومؤثرة على الصندوق السيادي، الذي لا يمكن بحثه جدّيًّا بغض النظر عنها.

للأسف، الحركة النقابية الحالية غير مؤهلة للدخول الجدي في هكذا حوار أو في المشاركة الفعلية في القرار، بسبب غياب الإرادة النقابية التي تخضع لهيمنة أحزاب السلطة، أكان في الاتحاد العمالي العام أم في معظم النقابات الحالية. وإذا أخذنا الاتحاد العمالي العام كنموذج، وهو المفترض أن يتمثل في الحوار الثلاثي، فإضافة إلى تبعيته، فإن من ينتسبون إليه يشكلون 5% فقط من أصل العدد الإجمالي للأجراء الذين يحق لهم الانتساب، ومن أصل 67 اتحادًا منضويًا إليه، 54% منها اتحادات مذهبية تابعة للأحزاب، ومعظم المجالس التنفيذية التي تعاقبت هي محاصصة بين هذه الأحزاب السياسية.

التحدي الثاني: وجود نقابات مستقلة
المشاركة النقابية تفترض إذًا وجود نقابات مستقلة قادرة على القيام بهذه المهام، وهو ما لم يتوفر حتى الآن في لبنان، على نقيض بعض البلدان العربية التي شهدت قيام نقابات مستقلة عن السلطة والاتحاد العام المركزي، وبدأت تطرح برامج تخرج عن السياسات الاقتصادية- الاجتماعية للدولة، وتقترح بدائل عنها في البلدان العربية، مثال الجزائر ومصر والأردن.

على أي حال، لم يتضح بعد دور هذه النقابات بشأن الغاز والبترول في الجزائر ومصر، وهي ما زالت تعاني من الاضطهاد الحكومي، في سياق تحركاتها.

في البلدان الخليجية، يمكن التوقف عند دور الاتحاد العام لعمال البحرين، المستقل نسبيًّا، والذي يشارك في بعض القرارات المتعلقة بالأمور السياسية الاقتصادية- الاجتماعية للدولة. حتى في السعودية، هناك نواة لحركة نقابية مستقبلية من خلال اللجنة الوطنية للّجان العمالية في المؤسسات التي تستعد للمساهمة في رسم السياسة الاجتماعية الاقتصادية في إطار خطة 2030.

هناك بوادر لقيام نقابات مستقلة في لبنان، لكنها لا تزال في بداياتها، مثال “اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي”، و “نقابة الاختصاصيين الاجتماعيين”، و”نقابة الممرضات والممرضين” وغيرها.. وبسبب عددها القليل لم تفرض بعد مكانتها على الساحة النقابية كبديل للحركة النقابية التابعة للسلطة، في أُطر الحوار الاجتماعي الثلاثي.

المهمة العاجلة اليوم هي في المساعدة على دعم هذه النقابات المستقلة والمساهمة في إنشاء نقابات أخرى مستقلة في قطاعات مختلفة. وفي دراسة حول أزمة الحركة النقابية في لبنان أجراها دكتور غسان صليبي صدرت عام 2024 بعنوان “حركة بلا بركة”، تبين تراجع دور وفعالية الاتحاد العمالي العام وبروز نواة نقابات مستقلة في الشارع اللبناني تعمل وفق مصالح أصحاب الحقوق، لا حسب المصالح الحزبية والسياسية.

وربما من أبرز المهام التي يجب ان نقوم بها هو التوعية حول ما يجري بخصوص القطاع النفطي والغازي وحول أهميته، مع ضرورة التنسيق مع هيئات المجتمع المدني المختلفة، الممثلة في المجلس الاقتصادي الاجتماعي، أو غير الممثلة في هذا الإطار، بغية تعميم المعرفة وتنسيق الجهود لمحاولة التأثير في القرارات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال التعبئة والتوعية والمنشورات وورش العمل، بموازاة التصويب على أهمية تفعيل مؤسسات الحوار الاجتماعي :”لجنة المؤشر”، و”المؤسسة الوطنية للاستخدام”، و”الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي “، و”المركز الوطني للتدريب المهني “، و”المجلس الاقتصادي الاجتماعي”، بهدف أن تشكل النقابات الطرف الثالث الأساس في أي حوار اجتماعي، وأي سياسة اقتصادية اجتماعية في البلد.

التحدي الثالث: إنشاء نقابات في قطاع الغاز والبترول
لا بد من إنشاء نقابات للدفاع عن العمال في الشركات المعنية بعملية استخراج النفط من البحر أو في المؤسسات التي ستنشأ لمواكبة هذا الإنتاج على الأرض. فإذا كان من المبكر تصوّر العقبات العملية أمام هذه المهمة، فيمكننا توقّع قيام مؤسسات عديدة يُنشئها فرقاء السلطة من خلال المحاصصة، ولا سيما الذين كانت لهم الكلمة الفصل في رسم الحدود البحرية (رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والثنائي الشيعي، والتيار الوطني الحر)، مما سيجعل من التوظيف في هذه المؤسسات على أساس زبائني، وسيفرض ذلك تعقيدات تطال عملية إنشاء نقابات مستقلة عن أطراف السلطة.

التحدي الرابع: استفادة الأجراء من الريع النفطي والغازي
يكمن التحدي الرابع في كيفية تمكين الحركة النقابية المستقبلية من الاستفادة من ريع القطاع الغازي والنفطي لتأمين العدالة الاجتماعية في البلاد، عبر توسيع الحقوق العمالية في علاقات العمل وتعميم الحماية الاجتماعية وزيادة الأجور والتقديمات الاجتماعية.

التحدي الخامس: قيام نظام سياسي ملائم
لا يمكن بحث هذه التحديات أو تقديم فرضيات من دون معرفة طبيعة النظام السياسي الذي سيقوم في لبنان، بعد الأزمة السياسية الحالية. وما سيترتب عليه من ممارسات اقتصادية اجتماعية. وهذا ما يطرح دور المواطنين بشكل عام والنقابات بشكل خاص، في رسم مستقبل البلاد، ليس فقط الاقتصادي والمالي، بل السياسي أيضًا، والذي سيكون له تأثير كبير في كل ما سيُطرح على المستويات كافة. وحده نظام سياسي ديمقراطي تُحترم فيه الحريات، كفيل بالمساعدة على مواجهة التحديات النقابية الأربعة أعلاه.

فهل الثروة النفطية وعائداتها المفترضة على المواطنين ستدفع بهم لمواجهة هذه التحديات عبر تأسيس حركة نقابية مستقلة، والدفاع عن نظامهم الديمقراطي الذي تُنتهك قواعده كل يوم؟

وعي المواطنين هو من عليه حسم الأمر.

(*) قُدّم هذا النص كمداخلة في “ورشة تفكير ونقاش عن الثروة النفطية والغازية المرتقبة في لبنان، وماذا أعددنا لها ؟ ونتائجها على حقوق المواطنة الاجتماعية والاقتصادية”، من تنظيم مركز تموز للدراسات والتكوين على المواطنية بالتعاون مع مؤسسة هانس زايدل الألمانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى