شبكة الاتصالات اللبنانية “المخترقة”: كيف نحميها بعد الحرب

تُعدّ البنية التحتية لشبكة الاتصالات في لبنان دون المستوى المطلوب، من حيث الحماية والأمان ضد الاختراقات. وهي مشكلة ظهرت بوضوح خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، حيث تم تسجيل حالات متعددة من الاختراقات التي استهدفت الشبكة على مستويات مختلفة.
تتألف شبكة الاتصالات من ثلاثة مكونات رئيسية: التجهيزات التقنية، البرمجيات التشغيلية، والعنصر البشري. لضمان حماية الشبكة من التهديدات الخارجية والداخلية، لا بد من تبنّي استراتيجية شاملة تعزز أمن هذه المكونات الثلاثة بشكل متكامل. فوجود ثغرة أو ضعف في أي من هذه المستويات يُعرّض الشبكة بالكامل لمخاطر الاختراق، مما يُبرز أهمية العمل المتواصل على تطوير معايير الحماية وضمان تكاملها.
تجهيزات غير موثوقة
تعاني شبكة الاتصالات في لبنان من ضعف واضح في معايير الأمان المتعلقة بالتجهيزات التقنية (Hardware)، حيث يعتمد توفير معظم هذه التجهيزات على التبرعات أو الهبات، بينما تلك التي يتم شراؤها غالباً ما تفتقر إلى عمليات فحص دقيقة تكشف مكوناتها الإلكترونية وتضمن خلوها من المنافذ الخلفية (Backdoors)، التي قد تستغلها الشركة المصنعة أو أطراف أخرى.
تتجلى المشكلة الأساسية في تعدد مصادر هذه التجهيزات، مما يزيد من صعوبة ضمان توحيد معايير الأمان وفحص الأجهزة بشكل شامل ودقيق. هناك سوابق على وجود أجهزة صغيرة مزروعة داخل هذه التجهيزات، استخدمت كوسائل للتجسس.
لتحقيق حماية فعالة، يجب تأمين مواقع التجهيزات التقنية بشكل كامل، سواء كانت في السنترالات أو على امتداد الشبكة. ويشمل ذلك فرض قيود صارمة على الوصول إليها، فيقتصر على الأشخاص المخوّلين فقط، مع تعزيز المراقبة واعتماد بروتوكولات أمان متقدمة، لمنع أي محاولات اختراق مادي أو إلكتروني.
الأبراج الوهمية
تقنياً، يعتمد الهاتف الخلوي على الاتصال تلقائياً ببرج الإرسال الذي يوفر التردد الأقوى في المنطقة، مما يضمن استمرارية الإشارة أثناء التنقل بين المناطق عبر الارتباط بالبرج الأقرب أو الأقوى في الإشارة. في هذا السياق، يقوم ما يُعرف بـ”البرج الوهمي” بتقليد وظيفة برج الإرسال الحقيقي، حيث يستدرج الهواتف القريبة للاتصال به. هذا يمنح مشغّلي البرج الوهمي إمكانية التجسس على المكالمات، اعتراض البيانات، أو تحديد الحيّز الجغرافي للأجهزة المستهدفة.
مع التقدم التكنولوجي، أصبحت الأبراج الوهمية أكثر تطوراً، حيث تقلّص حجمها ليصبح بمقدور جهاز بحجم حقيبة ظهر أو حاسوب محمول أن يؤدي تلك الوظيفة، مما يسهل نقلها واستخدامها في المركبات أو المواقع المستهدفة. والأخطر من ذلك هو تزايد المؤشرات على قيام الطائرات المسيّرة المعادية التي تحلق فوق الأجواء اللبنانية بحمل أبراج وهمية تُحاكي أبراج الاتصال الشرعية التابعة لشركات تشغيل الهاتف الخلوي.
العامل البشري
عند تناول العامل البشري في قطاع الاتصالات، تبرز حادثة اعتقال مخابرات الجيش اللبناني قبل 15 عاماً لموظفين بارزين في شركة “ألفا” بتهمة التعامل مع إسرائيل. ورغم خطورة هذا الملف، إلا أن الحقيقة ضاعت وسط الانقسامات السياسية الحادة آنذاك. ما يلفت الانتباه في هذه الواقعة هو التعاطي الرسمي مع قضية تمس الأمن الوطني بدرجة عالية من الخفة. فقد تم استخدام بيانات الاتصالات كأداة للضغط السياسي، منذ أن اُستُخدمت كدليل في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وتفاقم الأمر لاحقاً مع التعامل التعسفي مع هذه المسألة من قبل الأطراف المتصارعة، مما أدى إلى طمس الهدف الأساسي، وهو حماية الوطن والمواطنين.
في ظل تصاعد التحديات الأمنية، لا سيما بعد نجاح إسرائيل في اختراق شبكة الاتصالات اللبنانية بمستوياتها المختلفة واستغلالها بشكل منهجي خلال الحرب الأخيرة، أصبح من الضروري تبنّي رؤية جديدة لهذا القطاع. هذه الرؤية يجب أن ترتكز على وضع معايير صارمة في التوظيف، تشمل تحقيقات دقيقة في خلفيات الموظفين الذين يُسمح لهم بالوصول إلى البيانات الحساسة، لضمان الحفاظ على أمن الشبكة وحمايتها من الاختراقات المحتملة.
بيانات المواطنين
مع تصاعد استخدام شبكات الاتصال كأداة استراتيجية في الحروب الحديثة، أصبحت حماية هذه الشبكات وبيانات المواطنين قضية تتجاوز الحفاظ على الخصوصية، لترتقي إلى مستوى الأمن الوطني. حماية بيانات المواطنين، مثل تفاصيل اتصالاتهم وأماكن تواجدهم، أصبحت ضرورة ملحّة، ما يستدعي تخزين هذه البيانات في منشآت مؤمّنة بعناية، مع حصر الوصول إليها بالأشخاص المخوّلين فقط. يشمل ذلك الوصول الفعلي إلى الخوادم أو النفاذ إليها عن بُعد، مع الالتزام بتسجيل جميع عمليات الدخول وإجراء تدقيق دوري لضمان أن كل دخول يتم وفق التصاريح الممنوحة لكل موظف بناءً على دوره الوظيفي ومستوى صلاحياته.
رغم أهمية هذه التدابير، تعاني الدولة اللبنانية من تقصير واضح في أبسط الجوانب المرتبطة بحماية المواطنين، بما في ذلك التوعية بمخاطر الاحتيال والاختراق. على سبيل المثال، ظاهرة المكالمات المفقودة (Missed Calls) من أرقام دولية غامضة، التي تهدف إلى دفع المستخدمين لإعادة الاتصال وسرقة أرصدتهم، أو الرسائل النصية الاحتيالية التي تتظاهر بتوفير فرص عمل أو تبشر بتلقي ميراث مالي، بينما تتضمن روابط خبيثة قد تُثبت برمجيات تجسسية أو ضارة على أجهزة المستخدمين عند الضغط عليها.
في مواجهة هذه التحديات، الحلول التقنية أصبحت متوفرة من خلال أنظمة حماية متقدمة، مثل جدران الحماية الصوتية وحماية الرسائل النصية. تعمل هذه الأنظمة على اعتراض المكالمات والرسائل المشبوهة قبل وصولها إلى المستخدم، مما يوفر طبقة حماية إضافية تعزز أمن الاتصالات وتحمي المواطنين من التهديدات السيبرانية المتزايدة.
آلية الحماية
من أجل صياغة استراتيجية فعّالة لحماية شبكات الاتصالات في لبنان، من الضروري أولاً فهم بنيتها الأساسية. تتولى مؤسسة أوجيرو مسؤولية البوابة الدولية للاتصال بالإنترنت، وهي الجهة الرئيسية التي تتيح خدمات الإنترنت للمواطنين وشركات الاتصالات الخلوية والموزعين المحليين.
تشكل مؤسسة أوجيرو خط الدفاع الأول لحماية البنية التحتية الرقمية للبلاد، وذلك من خلال اعتماد تقنيات حماية متقدمة مثل الجدران النارية المادية (Hardware Firewalls) والبرمجيات الأمنية، كجدران الحماية الصوتية والرسائل النصية. غياب هذه الأنظمة الأمنية يتيح للطرف المعادي، مثل إسرائيل، إمكانية إرسال رسائل تهديد مباشرة للمواطنين أو انتشار رسائل مشبوهة تهدف إلى سرقة البيانات الشخصية أو استنزاف الأرصدة.
تعزيز حماية البيانات يتطلب اعتماد تقنيات مثل الفحص العميق للحزم (Deep Packet Inspection – DPI)، التي تسمح بتحليل حركة البيانات الواردة عبر الإنترنت وتصفيتها تلقائياً لمنع وصول البيانات المشبوهة إلى وجهتها. كما يجب أن يكون هناك تركيز على صيانة التجهيزات ومراقبة مصادرها وإجراء فحوصات دورية لاكتشاف أي خلل أو اختراق، بما في ذلك الكشف عن الأبراج المزيفة. هذا الأمر ممكن من خلال مطابقة الأرقام التسلسلية والبروتوكولات التي تميز الأبراج الأصلية، ما يتيح تحديد الأبراج المخالفة وتعطيلها.
ختاماً، يتوجب الحرص على اختيار الشركات المزودة لبرمجيات الاتصالات بعناية فائقة، مع تجنب إبرام عقود مع جهات قد تكون مرتبطة بالعدو أو عرضة للاختراق منه. وفي هذا الإطار، يمكن الاعتماد على الخبرات المحلية التي أثبتت كفاءتها في هذا المجال، مما يساهم في تطوير قطاع الاتصالات وتعزيز أمنه الوطني.



