أخبار لبنانابرز الاخبار

الأزمة مع المَملكة: تداعياتٌ اقتصاديّةٌ أُغفِلَت

شكَّلت تداعيات الأزمة مع المَملكة العربيّة السُعوديّة وتمدُّدِها إلى دوَل الخليج العربي، أحد أبرَز عناوين السياسة والاقتصاد في الأسبوعين الماضيين. فالأزمة التي انفَجَرَت بصاعقٍ إعلاميٍّ لا يُبرِّرُهُ زمانُهُ، تُخفي وراءَها تراكماتٍ سياسيةً واستراتيجية تعود لسنواتٍ عديدةٍ خَلَت. أمّا التعامل مَعَها فيعكِس اختلاف اللبنانيين ومَن يمثِّلهم على مصلحة لبنان الوطنيّة، لا بَل على لبنان الوطن نَفسِهِ. أضاءت الصحافة على التداعيات الاقتصاديّة الراهنة والمُرتقبة للأزمة المُستَمرّة بسبب التعنُّت والارتهان. ركَّزت العشرات من التقارير والمقالات على حجم الصادرات المحظورة كما على أعداد المغتربين عمداً، المُغَرَّبين قَسراً والعائدين المُحتَملين هباءً، وعلى حجم الاستثمارات والتحاويل. استندت هذه الأعمال إلى جهود وأبحاث معدّيها في غياب قواعد بيانات لبنانيّة رسميّة ومُحَدَّثة، إلّا أنَّها أغفَلَت حيّزاً مهمّاً من الخسائر الاقتصاديّة التي يتكبَّدُها لبنان بفعل الاستكبار ودخول مُعتَرَك الكِبار. يشكِّل انخفاض مساهمة رأس المال البشري اللبناني Human Capital في ميزان المدفوعات أبرز ما لم يتمّ التطرُّق إليه، وهو ما سيشكّل ركيزةَ ومحورَ ما سنقدّمه في مقاربتنا. نشير في هذا الإطار إلى أن تهاوي مؤشّر رأس المال البشري اللبناني بفعل تراجع مستوى التعليم والصحّة، الذي أشارت إليه تقارير البنك الدولي الأخيرة، يشكّل بحدِّ ذاته نكسةً للاقتصاد اللبناني المُنهار. يؤدّي استمرار الأزمة الأخيرة مع المملكة ودول الخليج إلى القضاء على ما بقي من عائدات هذه الميزة التفضيليّة التي لطالما تغنّى بها لبنان.

تؤكِّد النظريّات الاقتصادية وجود ارتباط سلبي بين البطالة الناتجة من الأزمات والتدنّي في مستوى الأجور. لذلك، عند زيادة نسبة البطالة بنتيجة الأزمات، تنخفض قوّة التفاوض Bargaining Power لدى الباحثين عن عمل. يتسبَّبُ ذلك بإنخفاض الأجر المتوقَّع والمتوافق عليه بين الأطراف وسط تجاهلٍ متعمَّدٍ للمهارات والخبرة والاختصاص وطبيعة العمل. في الاقتصاد المفتوح Open Economy، تتخطّى مفاعيل هذه العلاقة المُثبَتة حدود الوطن إلى بلاد الانتشار. بافتراض تساوي العوامل الأخرى، فإنَّ الأزمة مع المملكة العربيّة السعوديّة ودول الخليج تَدفَعُ إلى الحضيض بهامش التفاوض لدى اللبنانيين المنتشرين عند تجديد عقودهم أو عند توقيع عقودٍ جديدة. ينعكس ذلك حتماً على حجم التحويلات دون انتظار أن تُفرَضَ علينا أيُّ تدابير جديدة. يضاف إلى ذلك أنَّ تضييق هامش التفاوض يُنذِر بعواقب كارثية على حجم صادرات الخدمات Service Export من خدمات استشاريّة وتدريبيّة تسهم في نهضة وتطوّر اقتصادات الدول. نُشير إلى أن هذه الخسائر لا علاقة لها بالتدابير العقابيّة المحتملة التي قد تطال التحويلات إذ يصنِّفها ميزان المدفوعات Balance of Payment في خانة الصّادرات في الميزان التجاري.

في سياق آخر مُتَّصِل، من المتوقَّع أن تكون للأزمة مع المملكة ودول الخليج تداعيات على إيرادات الاستثمار Investment Income كالأرباح على حقوق المساهمين والعائدات على الدين وأرباح الأسهم إذا ما طبَّقت الدول العربيّة موانعَ قانونيّة أو تجاريّة تقيّد الحركة الاستثماريّة للبنانيين. بالعودة إلى ميزان المدفوعات، نرى أنَّ هذه العائدات تقع تحت الحساب الجاري Current Account وهي بالتالي تُشكِّل خسائر محقَّقة لا يتم إحصاؤها مع التحويلات ولا تُعدّ جزءاً من الميزان التجاريCommercial Balance . بذلك، وفي الوقت الذي تَشخَصُ فيه العيون إلى حجم التحويلات وما ينتظرها من إجراءات، تَطال التداعيات الاقتصاديّة للأزمة الناتج القومي اللبناني Gross National Product (GNP) من بوّابة العائدات الاستثماريّة والاستثمارات. أخيراً، لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ اتِّخاذ أيّة تدابير أو خطوات عقابيّة، ديبلوماسية كانت أو تنفيذية، تحظر استثمارات اللبنانيين وصادراتهم وتحويلاتهم، إنَّما تُشكِّل فرصاً ضائعةOpportunity Cost يعتبرها عِلم الاقتصاد بمثابة خسائر حقيقيّة ومؤكّدة. إلى هذه الخسائر نضيف ما تُسبِّبُهُ هذه الأزمة من تدهورٍ إضافي لعامل الثقة بالاقتصاد اللبناني المأزوم أصلاً مما سَيُتَرجَم بالتأكيد انخفاضاً في مستوى وطبيعة التدفُّقات النقديّة للمغتربين في دول الانتشار العربية وفي العالم. نَلفت في هذا الإطار إلى حدوث تغيُّرات هيكليّة على مستوى التحويلات التي انتفت عنها صفة الاستثمار وباتت بأغلبيتها استهلاكيّة إغاثيّة وعائليّة.

في ختام عرضنا الاستكماليّ للتداعيات الاقتصاديّة للأزمة المستجدّة والمستمرّة مع العرب، لا بُدَّ من التَّنبيه إلى التأثيرات المرتقبة لهذه الأزمة على أيّ خطة نهوض اقتصاديّ ترتكز على النموّ. فإن كان النموُّ يُشكِّل الطريقة المثلى لامتصاص الخسائر كما يَنصح صُندوق النقد الدَّولي، فالاستثمار هو الباب الأوحد للنموّ، والامتداد العربي هو المصدر الأول للاستثمار. بناءً على ما تقدَّم، وعلى الرُّغم من عدم صوابيّة حَصر تداعيات الأزمة مع المملكة والعرب بشقِّها الاقتصاديّ، فإنّنا لا نرى قيامةً للبنان الرازح تحت صليب أزماته إلّا في حضن محيطه العربي الذي يشكّل امتداده التاريخي والحضاري والاستراتيجي.

ليس بإمكان لبنان العربي الهويّة والانتماء، والقادر بالكاد على مدِّ يدِهِ، أن يرفع إصبَعَهُ في وجه أحد إلّا في وجه الاحتلال!

رحم الله قائلاً: “اعرف نفسك” ورَحِم من “عَرَفَ قَدْرَ نفسه فَوَقَفَ عِندَهُ”… أعان الله لبنان!

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى