نازحون لم ينتظروا بزوغ الفجر للعودة إلى سوريا

ربما يكون القسم الكبير من السوريين في لبنان قد تحولوا إلى لاجئين إقتصاديين في السنوات الأخيرة من إقامتهم بلبنان، إلا أن الهاجس الأول الذي بقي يقلق هؤلاء كلما إشتدت بوجههم الحملات الداعية إلى عودتهم إلى بلدهم، كان في مواجهة نظام بلدهم. ومع أن الكثيرين ربطوا عودتهم إلى سوريا بترجمة شعار ثورتهم “إسقاط النظام” عملياً على الأرض، إعتقد الكثيرون أيضاً، أن الأمر بات أقرب إلى الحلم.
حتى ما قبل “تحرير” محافظة حمص ليل السبت الأحد، لم يكن الكثير من النازحين السوريين في منطقة البقاع تحديداً يثقون بأن العودة إلى بلدهم كانت قريبة. وفي لقاء لـ “المدن” مع عدد من هؤلاء، تحدثوا عن أسابيع وربما أشهر إضافية سيحتاجونها حتى تستقر الأمور في سوريا، ويتبين التوجه الذي سيسود فيها بعد زوال النظام.
التوافد شوقاً لسوريا
ولكن المشهد إنقلب صباح يوم الأحد. وبعد ليلة بيضاء أمضاها هؤلاء في ترقب آخر لحظات سقوط النظام، لم ينتظر الكثيرون بزوغ الفجر حتى يتوجهوا إلى سوريا، وتحديداً عبر المعبر الرئيسي لعاصمتها دمشق. فتقاطر المئات إلى منطقة المصنع الحدودية. رجال بدون عائلاتهم. وقد تنوعت دوافع هؤلاء، بين من أراد أن يطأ بقدميه أرض بلاده، وبين من رغب بتفقد ممتلكاته ومعاينة الواقع لإصطحاب عائلته لاحقاً. وكان بين العائدين أيضاً من أراد أن يطمئن إلى أفراد عائلته وأصدقاء، فقدوا أثرهم بعد أن إعتقلهم النظام إثر إندلاع الثورة السورية، وقد إمتلأ هؤلاء بآمال كبيرة بأن يجدوهم بين المعتقلين المفرج عنهم من السجون السورية.
بين العائدين شاب سوري منشق عن الجيش السوري، تجرأ أيضاً بمواجهة كاميرا الهاتف لأول مرة منذ 13 سنة ليخبر قصته بكل وضوح، فكانت تلك الحرية التي شعر بها دليله القاطع بأن النظام سقط فعلاً.
وخلافاً لمعظم حركة العبور الشرعي في السنوات الماضية، كان المغادرون عبر نقطة المصنع الحدودية من عنصر الشباب المطلوب للخدمة الإلزامية التي فرضها النظام حتى على من هربوا من طغيانه. شعور هؤلاء بالحرية كان عارماً أيضاً.
خيبة من الحلفاء
لم يكترث هؤلاء لعدد من مواطني بلادهم الذين تجمعوا على المسرب المؤدي إلى لبنان، حتى بعد أن تبين أنهم من أتباع النظام الفارين من منطقة السيدة زينب، وقد خضع هؤلاء للإجراءات الإحترازية التي إتخذها الأمن العام من خلال منع دخول النازحين إلى لبنان، فكانت خيبتهم كبيرة كما أعربوا لـ “المدن” من حلفائهم في لبنان الذين إنتظروا أن يشكلوا لهم لجان إستقبال أسوة بما فعلوا في سوريا لدى نزوحهم قبل أسابيع.
ولكن إذا كان العائدون إلى بلادهم قد تقاسموا المشهد مع نازحي مرحلة سقوط النظام الجدد في منطقة المصنع، فإن إحتفالاتهم سيطرت على كل المظاهر الأخرى على طول القرى البقاعية المؤدية إلى الحدود اللبنانية. وقد رفع هؤلاء رايات حريتهم، وسط إطلاق لأبواق السيارات والمفرقعات النارية على طول الطريق.
فرح واحتفالات
وكما في البقاعين الأوسط والغربي، عمت الإحتفالات أيضاً في منطقة عرسال في محافظة بعلبك الهرمل. فأهالي البلدة التي تضم العدد الأكبر من النازحين، لم يناموا طيلة ليل السبت الأحد كما أكدوا. والإحتفالات عمت في مخيمات البلدة التي يقطنها النازحون من منطقة القصير تحديداً. وعبّر مجموعة من هؤلاء عن إرتياحهم لكون المنطقة باتت خالية حتى من وجود عناصر حزب الله. وسارع هؤلاء إلى تنظيم رحلات العودة الطوعية، محددين نقطة التجمع في وادي حميد. فيما عمد الجيش اللبناني إلى فتح معبري الزمراني ومرطبيا لتسهيل عودتهم الآمنة إلى بلادهم.
إلا أن هذا الفرح والحماس اللذين عبر عنهما النازحون السوريون في مختلف المناطق البقاعية سيبقى تحت المجهر في الأيام المقبلة، ترقباً لإتساع حركة النزوح العكسي بإتجاه الأراضي السورية، خصوصاً أن أعداد الوافدين إلى بلادهم في اليوم الأول لسقوط النظام بقي محدوداً جداً، وفقا لما أكدته مصادر متقاطعة. لا بل ظهر عدد كبير من المخيمات التي إستطلعت “المدن” أحوالها في حالة هدوء وترقب، بإنتظار الإجراءات المسهلة التي ستتخذها السلطات اللبنانية، وخصوصاً بالنسبة لمن فقدوا أوراقهم الثبوتية، أو لم يقوموا بتسوية أوضاعهم حتى يتمكنوا من مغادرة الأراضي اللبنانية. وثمة قلق عبر عنه بعض المستطلعين حول توفر الخدمات الأساسية في سوريا، وخصوصاً بالنسبة لتعليم أولادهم. علماً أن الترقب الأبرز هو لدى الشبان والشابات الذين جاؤوا إلى لبنان أطفالاً وسيغادرونها كباراً. وعلى رغم الإنفعالات التي شاركها هؤلاء في اليوم الأول لسقوط النظام السوري مع عائلاتهم، ولكنهم أكدوا أن سوريا بالنسبة لهم هي المجهول، الذي لا يعرفون ما إذا كانوا سيتأقلمون معه أم لا، ولكنهم مع ذلك أبدوا حماساً للتعرف إلى بلدهم،آملين أن يبنى من جديد على قواعد حماية الحقوق وصون الحريات.



