أخبار لبنانابرز الاخبار

المدير العام والمستشارون أو قصة ” المُضَلِّل ” والعاملين ضد مصلحة لبنان

شهد التاريخ اللبناني المعاصِر سلسلة من الإستقالات أو إعلان إستقالات : من رؤساء ووزراء ونواب ومدراء عامين ، معظم هذه الإستقالات كانت تمر بصمت ومن دون ضجة أو صخب أو متاجرة إعلامية رخيصة لتغطية السموات بالأبوات،
وأهم ما في تلك الإستقالات أنها كانت تمر بالتراتبية الدستورية والقانونية ، لا بل نكاد نقول بالتراتبية الأخلاقية :
رؤساء الحكومات كانوا يقدمون استقالاتهم إلى رئيس الجمهورية .
وزراء كانوا يقدمون استقالاتهم إلى رؤساء الحكومات .
مدراء عامون كانوا يقدمون استقالاتهم إلى الوزراء المختصين .
الاسماء والشواهد كثيرة ولا مجال هنا لذكرها كلها .
في هذه الأيام هناك شذوذ عن القاعدة لجهة تقديم الإستقالة إلى الرأي العام ، في خطوة شعبوية مريبة الهدف منها إثارة البلبلة وتحقيق أكبر قَدْر ممكن من الضجيج تمامًا كآلة الطبلة في الفرقة الموسيقية .
والمثل الفاقع على هذا السلوك هو استقالة المدير العام لوزارة المال آلان بيفاني الذي بالإضافة إلى الأخطاء والخطايا التي ارتكبها أثناء توليه منصبه الحسَّاس، فإنه يُمعِن في الاخطاء من لحظة تقديمه استقالته وصولًا إلى ايامنا هذه :
بيفاني قدَّم استقالته من خلال مؤتمر صحافي قافزًا فوق التراتبية الوظيفية التي تفرض تقديم الإستقالة إلى الوزير المختص أي إلى وزير المال ، فاعتمد ” طبل وزمر ” المؤتمرات الصحافية غير آبه بموقعه الوظيفي الذي يحتم عليه واجب التحفظ وعدم إطلاق الكلام والإتهامات يمينًا ويسارًا لأن كل كلمة يقولها لها تبعاتها خصوصًا أنه كان في موقع المسؤولية ومطَّلعًا على أمور ومحاضر وأرقام يجب ان تكون طي الكتمان . لكن هذا السلوك لم يحترمه بيفاني بل عمِل عكسه .
لم يكتفِ ب ” مؤتمر الإستقالة ” بل استساغ الإطلالات الإعلامية وراح يتوسلها غير عابئ بمخاطر ما يقوله وبحجم الأضرار التي يسببها .
وهكذا واصل إمعانه ، وأحدثُ ” إبداعاته ” إطلالته عبر صحيفة ” فايننشال تايمز ” وكأنه أراد من خلال هذه المقالة التشهير بسمعة لبنان في الخارج ، بعدما أغرق الرأي العام الداخلي بسيلٍ من أضاليله من خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده .
سؤال في الشكل : ماذا يدفع مدير عام مستقيل أن يتوجَّه إلى وسيلة إعلام أجنبية ليقول ما يقوله في حق وطنه ؟ أليس الاجدى والأجدر أن يتوجَّه به إلى رئيسه المباشر ، وزير المال ؟ الذي يرفعه بدوره إلى رئيس الحكومة ؟ هل في التوجه إلى وسيلة إعلام أجنبية غير تعمُّد إيذاء البلد والتشهير به ؟
في المضمون : يدَّعي بيفاني أن المصارف هرَّبت ما يقارب ستة مليارات دولار منذ تشرين الأول الفائت ! هذه قمة التضليل لأن الحقيقة التي يُدركها بيفاني أكثر من غيره هي أن الميزانية المجمَّعة للمصارف اللبنانية انخفضت بما يوازي ستة مليارات دولار منذ تشرين الأول الفائت ، لكن هذا لا يعني على الاطلاق ان هذه الأموال خرجت من لبنان او تمَّ تحويلها إلى الخارج لصالح بعض كبار المودعين ” المحظيين ” . إن معظم هذه الأموال ذهبت لإيفاء ديون داخلية ولاستيراد مواد أساسية من فيول وبنزين وقمح وأدوية ومستلزمات طبية ، كما لتلبية سحوبات نقدية بالدولار الأميركي لعملاء المصارف في الفترة السابقة .
هذه المعطيات يعرفها بيفاني جيدًا ، فإذا كان يتحدث بما يتحدث به ، على رغم أنه يعرفها ، فتلك مصيبة ، وإنْ كان لا يعرفها فالمصيبة أعظم . وفي الحاليْن يكون بيفاني كمَن يسعى إلى ضرب استقرار النظام المالي اللبناني ، فهل مَن يحاسبه ؟ وبماذا يختلف دوره المريب عن ادوار مَن يسعون إلى هدم النظام المالي اللبناني ؟
بيفاني والمستشارون
تصرفات وتصريحات بيفاني المريبة تفتح النقاش على مصراعيه على أداء مجموعة من المستشارين والإداريين ، وهو على رأسهم ، ويأتي في مقدمة هؤلاء شربل قرداحي وجورج شلهوب وهنري شاوول الذي استقال لكنه مازال ” شغَّالًا ” إعلاميًا ، وطلال سلمان . هؤلاء يستميتون في محاولة إقناع صندوق النقد الدولي بأن خسائر لبنان المالية أكبر مما هي عليه فعليًا ، كما أنهم يعمدون إلى تأليب الصندوق ضد مصلحة لبنان العليا . حيال هذا الاداء ، من الطبيعي ان يحاول الصندوق ان يفرض على لبنان تبني الأرقام القصوى للخسائر وأن يحاول تصفية هذه الخسائر على الفور ، ونتيجة لذلك يضمن الصندوق استرداد القرض الذي يمنحه للبنان .
هنا القطبة المخفية ، أين مصلحة لبنان في كل ذلك ؟ هل المطلوب ان يضمن الصندوق استرداد قرضه او ان يضمن المواطن استرداد وديعته ؟ بيفاني والمستشارون يعملون على الهدف الاول اي على ان يسترد الصندوق قرضه ،
” وآخر همومهم ط ان يسترد المواطن وديعته ! إذًا هل هُم في وفد صندوق النقد الدولي أم في الوفد اللبناني ؟ هذه إسمها ” خيانة عظمى ” وإذا كان رئيس الحكومة حسان دياب يتحدث عن خيانة عظمى ن فهي هنا قبل ان تكون في مكان آخر .
الإدارة السيئة للمفاوضات
المعضلة الاساسية في عملية التفاوض مع الصندوق ، ان فريق المستشارين الذي ادار هذه المفاوضات ، إنطلق في عملية التفوض متعرِّيًا من كل تحصين ن فعرض أكثر بكثير مما يستطيع لبنان تقديمه ، من دون ان يوفِّر لنفسه الحد الأدنى المطلوب من التوافق الداخلي مما أدى إلى تعثر عملية التفاوض .
هذا الأداء المتسرِّع أوصل إلى تعقيد عملية التفاوض مع الصندوق الذي بات يرفض قبول أقل مما عُرِض عليه في الاساس . وهنا يُطرَح السؤال الكبير : لمصلحة مَن حصل هذا التفريط ؟ وهل كان فريق المستشارين يفاوض لمصلحة لبنان ؟ أم لمصلحة الصندوق ؟
مَن يحاسب هؤلاء المستشارين على أدائهم السيئ الذي تسبب أو يكاد بإفشال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ؟ ألا يستدعي هذا الأداء تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لأظهار الحقائق والنيات المبيتة ؟ هل ستحاسب الحكومة مَن أساؤوا الأمانة وعملوا ضد المصلحة العليا للوطن ؟
مشكلة المستشارين أنهم يعملون من دون ضوابط ومن دون مساءلة :
هناك آلية لمساءلة الوزير ولطرح الثقة به .
هناك آلية لرفع الحصانة عن النائب
هناك آلية لأقالة المدراء العامين ومساءلتهم .
ماذا عن المستشارين الذي يتطلعون إلى الغُنم ويتهربون من الغُرم ؟

المصدر
vdlnews

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى