الراعي لن يتراجع : ملف الحياد الى الفاتيكان بدعم دولي

كل شيء يتبدّل: الأسعار ترتفع تماما كما التقنين وإقفال الشركات وتسريح الموظفين وشح المواد الاولية واصابات كورونا… قدرةُ اللبنانيين الشرائية وآمالهم بالمستقبل، في المقابل، تتراجع، كما الثقة المحلية والخارجية الدولية بالحكومة التي «صفّرت» من جديد عدّاد مفاوضاتها مع صندوق النقد. حقيقة واحدة تبقى ثابتة وسط التقلّبات، لا تتغيّر،و لم تتمكّن منها لوحة الانهيار الشامل وبقيت عصيّة عليها: ثقةُ الرئيس حسان دياب بنفسه وبحكومته، وتصميمُه الراسخ الخالد على البقاء في منصبه، وقد طمأن الجميع، أيضا وأيضا، من الديمان، الى أنه لن يستقيل «لأن البديل لن يكون موجودا بسهولة وهذه جريمة بحق لبنان»!
وسط هذه الاجواء الشديدة السواد، يبدو ان بكركي أخذت على عاتقها تحدي انقاذ لبنان المتهالك، عبر رفع سيدها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي لواء تحييد البلد الصغير عن الصراعات، وفك عزلته العربية والدولية، وقد بدا في الساعات الماضية انه عازم على المضي قدما في هذه الحملة.وأكد الراعي من جديد «أننا بلد حيادي بالأساس والميثاق الوطني ينص على الحياد والانفتاح على جميع البلدان الا إسرائيل»، مشيرا الى أن «خلاصنا بالحياد وهو السبيل لنعيش البحبوحة مجددا، ونحن نعيش في باخرة واحدة وهذا باب الحل والخلاص». وقال الراعي : ستكون هناك مؤتمرات حوار لاجل تبديد كل التفسيرات، فما نحن بصدده هو الحياد بمفهوم وطني وقانوني ولا يجب ان يفهم كل شخص الحياد على طريقته»، مؤكدا أن «الهجوم الشخصي عليه لا يؤثر فيه فهو يقول الحقيقة ويقوم بواجبه».
وفي عظة الاحد اكد الراعي إن نظام الحياد يقتضي وجود دولة قوية بجيشها ومؤسساتها وقانونها وعدالتها، وقادرة على الدفاع عن نفسها وشد أواصر وحدة شعبها، وخلق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.
وفي وقت يُرتقب ان يعود وفد من شركة لازارد الاستشارية الى بيروت الاسبوع الطالع لمساعدة لبنان في خطته الاقتصادية والاتفاق على أرقامها بعدما قضى كباش الحكومة-المركزي-المصارف على «الخطة- الانجاز» كما كان وصفها دياب منذ أشهر، وفي حين ناشدت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا اللبنانيين العمل على وحدة الهدف «لنتخذ إجراءات إعادة التوازن للاقتصاد ونواصل انخراطنا مع الحكومة اللبنانية لكننا لم نتوصل بعد إلى اتفاق»، مشيرة الى «أننا لم نحقق بعد أي تقدم في المفاوضات مع لبنان»… اعتبر دياب ان «ردة فعل صندوق النقد ايجابية وقد طوينا صفحة الخسارات وبدأنا الحديث عن البرنامج وهناك لجنة تتحدث عن الموضوع ولديها اجتماعات مكثفة الاسبوع المقبل. واشار الى ان على كل اللبنانيين ان يجتمعوا لايجاد برنامج للبنان والا فلبنان سيدفع الثمن.
في الغضون، تتجه الانظار الى الزيارة التي سيقوم بها وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان الى بيروت، الاربعاء المقبل. فالمشاورات التي سيجريها مع عدد من المسؤولين، بحسب ما تقول مصادر سياسية مطّلعة ، ستحمل تحفيزا متجددا للسلطات اللبنانية على الاسراع في اطلاق قطار الاصلاحات ومحاربة الفساد، من جهة، وعلى مضاعفة الجهود لتنفيذ النأي بالنفس ووقف تدخلات حزب الله السياسية والعسكرية في النزاعات العربية، من جهة ثانية. فوفق المصادر، تعتبر باريس ان الوضع في لبنان خطير ودقيق ولن تتمكّن الاسرة الدولية واصدقاؤه العرب والغربيون من مساعدته اذا هو لم يبادر اولا ويظهر حسن نية عبر الاصلاحات والحياد.
وفي تأكيد على ذلك، برزت تغريدة للسفير السعودي وليد بخاري، مقتضبة لكن مثقلة بالرسائل سيما في توقيتها حيث الحُكم في لبنان ينحاز أكثر فأكثر نحو محور اقليمي في المنطقة، وهو المحور الايراني، ويخرج من موقعه التاريخي التقليدي. فقد قال عبر تويتر «الرئيس بشارة الخوري، سجَّل فهمه لمعادلة لبنان المستقل في مذكراته بقوله : «… دفعنا عن أنفسنا تهمة العُزلة والإنعزال، وتلفَّتنا إلى العرب الذين تجمعُنا وإيّاهم رابطة اللُّغة والعادات والأخلاق الشرقية.. فأصبح اللبنانيون شخصًا واحدًا، لبنانيًا قوميًا، إستقلاليًا عربيًا».
معيشيا، فيما التقنين القاسي على حاله ويشتدّ، ضرب وزير الطاقة ريمون غجر للبنانيين موعدا جديدا لتحسّن التغذية بالكهرباء. فقد اعتبر في حديث اذاعي أن «موضوع الكهرباء والمحروقات متشعب للغاية، وهناك صعوبات تزداد في هذه الفترة بسبب مشاكل عدة متراكمة». وقال «كان من المفترض أن تستلم مؤسسة كهرباء لبنان شحنات معينة لتعود التغذية الكهربائية الى طبيعتها في فترة الصيف، ما سيخفض الضغط على مولدات الاشتراكات وعلى الطلب على مادة المازوت». وكشف عن «بدء وصول شحنات المحروقات مع وصول الشحنة الأولى الأسبوع الفائت، لترتفع القدرة الإنتاجية حوالى 370 ميغاواتا في البواخر والمحركات العكسية، بالاضافة الى وصول الباخرة التي تشغل معملي الزوق القديم والجية، ومن المفترض أن يبدأ تفريغ حمولتها ليبدأ العمل في المعملين مطلع الأسبوع المقبل، لتصل بعد ذلك باخرة الغاز أويل ليل الاثنين، ليبدأ العمل بمعملي دير عمار والزهراني، وبالتالي، سيبدأ الناس بملاحظة التحسن بالتغذية الاربعاء».
في الموازاة، وفي اطار التحركات الشعبية الاحتجاجية على اداء الحكم والحكومة والتي شهدت انتعاشة قوية، ستستكمل الاسبوع الطالع بتحركات امام اكثر من مرفق وادارة عامة، بدأ عدد من المحتجين امس اعتصامًا مفتوحًا في مرج بسري اعتراضًا على اعادة العمل بسد بسري. وأكّد المعتصمون رفضهم لإنشاء السد وتدمير المواقع الحرجية والبيئية. وشدّدوا على أنّ صفقة سد بسري سقطت مع ثورة 17 تشرين وعلى أنّ أي محاولة لاحيائها سيكون مصيرها الفشل.
الراعي الى الفاتيكان مع تصوره للحياد
ومراجع دولية وأوروبية تدعم تحركه
كتبت تيريز القسيس صعب:
بات كلام البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي حول الحياد حدث الخطابات واللقاءات الى درجة ان مرجعا كبيرا في الكنيسة اكد في اتصال مع «الشرق» ان كلام بكركي لا يعلو عليه كلام. وقال المرجع ان الراعي يوسع رقعة اتصالاته ومشاوراته حول موضوع الحياد، وذلك عبر شريحة اللقاءات التي يقوم بها او عبر الرسائل والخطابات التي يلقيها، والتي تحمل اكثر من عنوان ولغز.
وأكدت المصادر ان تحرك الراعي لم يأت من الفراغ، بل جاء بناء على طلب اكثر من مرجع دولي واوروبي بضرورة التحرك على مستوى لبنان لحماية وجوده وكيانه. وأكدت أن الفاتيكان ليس بعيدا اطلاقا عن تصور غبطته وأهداف طرحه لفكرة الحياد، والتي تتطلب مبادرته مزيدا من الاتصالات والمشاورات مع مختلف الأطراف الداخلية من دون استثناء، لبلورتها، ثم يصار الى طرحها خلال الزيارة المرتقبة للبطريرك الى عاصمة الكثلكة، والمرجحة خلال الايام العشرة المقبلة او على ابعد تقدير بداية آب المقبل.
وكشفت المعلومات عن عريضة يتم الإعداد لها سيوقعها اكبر عدد ممكن من المجتمعات المدنية والسياسية ليصار الى رفعها لاعلى المراجع الدولية والكنسية لاسيما مجلس الأمن الدولي وحاضرة الفاتيكان تطالب بتحرير لبنان من «القبضة الايرانية» وإعادته الى حضن الشرعية الدولية.
وأكدت أن المبادرة التي أطلقها الراعي يتم العمل على ترسيخها كمبادرة وطنية جامعة لكل اللبنانيين وليس لطائفة على حساب أخرى. وقالت ان ردود الفعل حول كلام البطريرك بدأت تتبلور اكثر فاكثر ليس فقط على الساحة المسيحية بل ايضا على الساحة السنية والدرزية.
وأكدت المراجع المتابعة ان بكركي كانت وستبقى صمام الامان في مواجهة اي انقسامات او محاولات تغيير وجه لبنان الوطني الجامع، لبنان العيش المشترك، لبنان الثقافة، لبنان الحضارة… وقالت ان مواقف بكركي لن تتغير، وستبقى داعمة لكل ما من شأنه توحيد اللبنانيين وجمعهم تحت دولة القانون والمؤسسات، دولة تحترم حق المواطن في العيش الكريم، دولة تحيد نفسها عن أي صراعات اقليمية او دولية كما حددها الراعي كحل وحيد الاتفاق الطائف.
السؤال الاخير هل مبادرة بكركي ستكون مفتاح الخلاص لما يعانيه الشعب اللبناني اليوم من ازمات اجتماعية واقتصادية وتحديدا ازمة كيان ووجود؟. فالأيام المقبلة هي الكفيلة ببلورة الصورة الجديدة لخريطة الطريق والتي يمكن ان تكون خلاصا واملا لقيامة للبنان.



