بين غزة والرئاسة لا ارتباط ولا فكّ ارتباط (الجمهورية ٢٧ أيلول)

مع استمرار حرب غزة وتعثّر الحلول الآيلة إلى وقفها، تستمر الحرب على جبهة الجنوب ويستمر معها تهجير المدنيِّين من المناطق الحدودية وصولاً إلى خطّ الليطاني الذي بات يشكّل خطاً وهمياً، تقوم إسرائيل بإطلاق تهديداتها شبه اليومية بضرورة تراجع السكان إلى ما بعده، معتبرةً أنّ جميع الذين يبقون بين الحدود الجنوبية وخط الليطاني مجرّد إرهابيِّين.
من المعلوم أنّ القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن بالإجماع عام 2006، ونصّ على تولّي الجيش اللبناني وقوات حفظ السلام الـUNIFI التابعة للأمم المتحدة حفظ الأمن جنوب الليطاني، لحظر الوجود العسكري لحزب الله وعدم إطلاق النار إنطلاقاً من المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق وحدود مجرى نهر الليطاني، في مقابل عدم تجاوز إسرائيل للخط ألأزرق.
اليوم وبعد تجاوز عدد النازحين الذين تركوا المناطق الحدودية شمال إسرائيل الـ130,000 ألفاً، تحاول الدولة العبرية إدخال تعديلات على هذا القرار ليضمن عودة آمنة للإسرائيليِّين إلى الشمال. ومع النيات الإسرائيلية المبيتة والمعلنة، تستمر الحملات الإعلامية للعدو وعمليات التشويش تجاه لبنان، مستغلّة من جهة الفراغ الرئاسي، ومن جهة أخرى الشلل الحكومي الذي بات يشكّل سمة المرحلة، فالحكومة اللبنانية وهي حكومة تصريف أعمال منقوصة الشرعية. وهي على رغم من دعم «الثنائي» لها ونادي رؤساء الحكومات السابقين، فإنها بالكاد تلبّي حاجات الناس الأساسية، وكان تحرّك العسكريِّين المتقاعدين في الأمس القريب خير دليل، حكومة أعجز من مقاومة التوطين المقنّع الذي يطلّ برأسه من خلال تمكين الطلاب السوريِّين غير مكتملي الأوراق من متابعة دراستهم في المدارس الرسمية اللبنانية.
كل ذلك يعيدنا إلى المربّع الأول من الأزمة اللبنانية، وضرورة العمل على انتخاب رئيس للجمهورية يضع حداً للمهازل على كل المستويات التي تكاد تطيح بمقومات الدولة اللبنانية.
لبنان عرضة لحملات تضليل غير مسبوقة
وفي هذا الجو المأزوم يستمر مسلسل تيئيس اللبنانيِّين وتستمر الحملات الإعلامية المدفوعة الأجر سلفاً، فيتبارى بعض الكتبة الذي باتوا أبواقاً لإسرائيل، يبشّرون تارة بالحرب وطوراً باستحالة انتخاب رئيس إلّا بعد انتهاء حرب غزة، وهؤلاء يعلمون تماماً أنّ هذه الحرب لن تحطّ رحالها في القريب العاجل، ممّا يعني أنّ الرئاسة مؤجّلة إلى ما بعد بعد غزة.
فهل فعلاً هنالك استحالة في انتخاب رئيس؟ وهل فعلاً الأمور مرتبطة
بمشيئة الخارج وأنّ اللبناني أصبح لا حول له ولا قوة؟ لقد استبشر الناس خيراً بتوقيف رياض سلامة وسَوقه مخفوراً إلى التحقيق، ورأى أكثر من محلّل أنّ موسم الحلول لا بُدٍّ آتٍ، وإنّ الذين كان القرار في يدهم قد رفعوا الغطاء عن معرفة الحقيقة في عملية اختلاس القرن. فمن المعلوم أنّ مَن كان يمنع محاكمة سلامة هو نفسه من يمنع إعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة من لبنان، ويمنع وصول التدقيق الجنائي إلى خواتيمه، وبالتالي يمنع إعادة الدورة الاقتصادية للبلد وإعادة أموال المودعين.
ومن المعروف أنّ لا تعافي مالياً ـ إقتصادياً إلّا بعودة المصارف، ولا عودة للمصارف إلّا بمعرفة المسؤولين عن تبخّر ودائعها. وذلك ليستعيد الناس ثقتهم بالقطاع المصرفي، الذي يجب أن يقوم على تطهير نفسه بنفسه. وفي هذا المجال، كان لافتاً تصرّف بعض الكتبة، والإشاعة أنّ توقيف سلامة لن يعيد الودائع، ما يعني وبصريح العبارة أنّ بعض المستفيدين يُعدّون العدّة لإظهار الحاكم السابق بمظهر كبش محرقة لا أكثر ولا أقل.
رئيس للجمهورية بإرادة لبنانية
لقد بات واضحاً أنّ الضغوط الخارجية التي يتعرّض لها لبنان لن تدفع اللبناني إلى اليأس، وهو لو كان يريد ذلك لفعلها منذ زمن، وكان غادر البلد إسوة بمن غادروا.
مهما اشتدّ الضغط والاشاعات فإنّ اللبناني سيبقى متمسّكاً بوطنه وبمؤسساته لأنّه لا بديل له عنها، وما على السياسيِّين وأصحاب الرأي إلّا ملاقاة الناس وانتخاب رئيس غصباً عن إرادة الخارج.
وهكذا بين غزة والرئاسة لا ارتباط ولا فك ارتباط، بل إنّ ذلك مرهون بموقف اللبنانيِّين أنفسهم. فمتى يَعي أصحاب القرار أنّهم مع الشعب في المركب نفسه؟ إذا غرق غرقوا جميعاً. حمى الله لبنان.



