سعر صرف الدولار في استراحة موقتة وحجم الفريش كبير: اللّيرة تعاني ولكن!

رغم الأزمة الاقتصادية إلّا أنّ تكلفة المعيشة في لبنان ما زالت من بين الأعلى عالميًا. كيف ولماذا؟ ما حجم المبالغ “الفريش” التي تدخل لبنان سنويًا؟ وهل اللّيرة اللّبنانية هي الأسوأ عالميًا؟
لا يعني استقرار سعر صرف الدولار في السوق السوداء لفترة أنّ الأمور تتجه إلى الهدوء النسبي في السوق العاصفة بالتقلبات الحادّة والتي تُغيّر مع هبوطها وارتفاعها أحوال اللّبنانيين بـ “كبسة زرّ”. حتى الساعة لا مؤشرات توحي بقرب انتهاء الأزمة الاقتصادية سيّما وأنّ حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي لم تخطُ الخطوات الجديّة لذلك.
ونظرًا للتقلبات المستمرة في سعر الصرف فإنّ الجميع يبدو عاجزًا عن وضع تصوّر واضح ومحدد للمبلغ الذي يجب أن تستقر عليه رواتب اللّبنانيين. ومن دون مبالغة فإنّ كلّ ما يتقاضونه شهريًا يطير بمجرد أن يحط في جيوبهم ولا يكفي.
ورغم هذه الأزمة، إلّا أنّ لا شيء تغيّر في لبنان مع بقاء بيروت من المدن الأغلى عربيًا واعتبار تكلفة المعيشة في هذا البلد من الأعلى في العالم. وحده نمط حياة جزء من اللّبنانيين تبدّل ويبدو واضحًا أنّ الحكومة تتبع أسلوب “شاهد ما شفش حاجة” في إطار غض نظرها عن معاناة من تدهورت أوضاعهم بشدّة.
جباعي: اللّبنانيون أوقفوا الادخار وحوالي ١٩ مليار دولار في لبنان
يرى الاقتصادي محمود جباعي وفقًا لدراسة أجراها أنّ ٨٠٪ من الشعب اللّبناني لا يتأثر بارتفاع سعر صرف الدولار كونه يعتمد على التحويلات من الخارج. وقد بلغت قيمة هذه التحويلات ما بين ٧ و٧.٥ مليار دولار سنويًا.
وتجدر الإشارة إلى أنّ وفقًا لجباعي فإنّ طرق وصول هذه التحويلات تنقسم بين:
– ٥ مليار دولار عبر المصارف
– ٢ إلى ٢.٥ مليار دولار عبر شركات تحويل الأموال.
ويلفت إلى أنّ عددًا كبيرًا من اللّبنانيين يتقاضون رواتبهم بالدولار سيما العاملين مع الشركات الأجنبية واليونيفيل والجمعيات وبعض الأحزاب. والأمر نفسه ينطبق على الفلسطينيين والسوريين المقيمين في لبنان. وبناءً على هذه المعطيات، يقول جباعي إنّ هذا الوضع يخلق مبلغًا يتراوح ما بين ٣.٤ و٤ مليار دولار سنويًا. وهذا ما يعني وجود ١١ إلى ١٢ مليار دولار في البلد بالإضافة إلى ما تؤمنه السياحة للبنان بشكل مباشر ما بين ٢و٣مليار دولار في السنة، مشيرًا إلى دخول أموال أيضًا بطريقة غير شرعية تترواح ما بين ٣ و ٤ مليار دولار سنويًا. ومن هذا المنطلق، فإنّ حوالي ١٩ لـ ٢٠ مليار دولار تدخل إلى البلد في السنة وهو ما يُفسّر كيف المطاعم والمرافق السياحية ما زالت ممتلئة على حدّ تعبيره.
ويشدد على أنّ هذا المبلغ يتطابق مع ما كان يدخل إلى لبنان في السابق غير أنّ اللّبنانيين أوقفوا الادخار الذي كان يصل إلى ٧٠٪ في المصارف. فبعد الأزمة المصرفية صار اللّبنانيون يصرفون ما معهم في الأسواق.
هكذا تصل الدولارات إلى لبنان
وفي حديث مع “السياسة”، يتحدث جباعي عن المزيد من الأرقام:
– ما بين ٢٥٪ و٣٠٪ من اللّبنانيين تصلهم تحويلات من الخارج وهم يشكلون ٢٥٣ ألف عائلة.
– ١٥٠ إلى ١٦٠ ألف عائلة بنسبة ١٨٪ إلى ٢٠٪ يتقاضون رواتبهم بالدولار.
– المهن الحرّة ٢٨٠ إلى ٣٢٠ ألف مهنة محصاة وهي كلّها تُسعّر وتتقاضى أجورها بالدولار أي بنسبة ٢٥٪.
– موظفي القطاع العام والشركات التي تعتمد “صيرفة” بالإضافة إلى من يعملون في مجال الصرافة والتجارة وهم يشكلون ١٥٪.
وفي السياق، يقول جباعي إنّ ذلك يُفسّر أيضًا الغلاء الحاصل حيث تضخمت الأسعار من بداية الأزمة بالدولار حوالي ٤٠٪ وبعد دولرة الأسعار سنشهد المزيد من الارتفاع.
رواتب اللّبنانيين قبل الأزمة مُضخمة ونداء لوزارة العمل
ولا ينفي أنّ شريحة من اللّبنانيين تعاني من أزمة حادّة سيما من يتقاضون رواتبهم باللّيرة اللّبنانية والعاملين في القطاع العام الذين لا يستطيعون الاستفادة من “صيرفة” بشكل كبير بالإضافة إلى القطاع الخاص الذي يحصّل أمواله باللّيرة، غير أنّ المساعدات الاجتماعية والغذائية التي تصلهم تُخفف قليلًا من هذا العبء. ويشدد من هذا المنطلق على ضرورة اعتماد سعر منطقي لصيرفة يصل إلى ٤٥ ألف ليرة للدولار بالنسبة للقطاع العام بالإضافة إلى بدل نقل مناسب لسعر البنزين كما على وزارة العمل تفعيل مراقبتها مع المالية لأرباح المؤسسات الخاصة حتى تُوضع رواتب الموظفين بشكل يتناسب مع نسبة الأرباح مع ضرورة تفعيل التأمين الصحي سريعًا ومن دون غض النظر عن أنّ رواتب اللّبنانيين قبل الأزمة كانت مُضخمة.
اللّيرة اللّبنانية الأسوأ عالميًا؟
لا ينفي جباعي أنّ اللّيرة اللّبنانية تعاني بشدّة لكنه يرفض التقارير الأخيرة التي صنّفتها كالأسوأ في العالم. ويشدد على أنّ اللّيرة السورية انهارت أكثر من اللّيرة اللّبنانية حيث في سوريا كان الدولار بـ ٤٠ ليرة وصار بـ ٨ آلاف ليرة أي أنه ارتفع ٢٠٠ مرّة. أمّا في لبنان فوصل الدولار إلى الـ ١٠٠ ألف ليرة أي أنه ارتفع أقلّ من ٧٠ مرّة. مشيرًا إلى أنّ أهمية اللّيرة تتلاشى في لبنان لأنّ كلّ شيء سُعّر بالدولار ولأنّ كمية “الفريش” المتواجدة كبيرة جدًا.
إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ أرقام جباعي تتعارض بشكل حاد مع التقارير الدولية التي أعلنت أنّ ٨٠٪ من سكّان لبنان يعيشون تحت خطّ الفقر وأنّ ٧٠٪ يواجهون صعوبات في التأقلم مع النفقات المتزايدة. وقد سجل لبنان المرتبة الأولى في نسبة التضخم عالميًا متفوقًا على زيمبابوي، الأرجنتين وإيران.



