المستقبل ينحو أكثر نحو العملات الرقمية… فأين أصبحت E Lira؟ (النهار 3 آب)

عندما سطع نجم العملة الرقمية الـ”بيتكوين”، ومع انتشار مفهوم العملة الرقمية في العالم، بدأ مصرف لبنان تحضير السوق النقدية اللبنانية لمولود تاريخي جديد يدخل لبنان في العصر الرقمي أكثر فأكثر، في محاولة منه لإبعاد الأسواق عن التداول بالـ”بيتكوين” الرائجة في بعض دول العالم وحماية أسواق النقد من خطورتها. وأعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مراراً أن المصرف سيصدر عملة رقمية (E Lira) تُستخدم محلياً بغية تسهيل أساليب الدفع وتفعيل التكنولوجيا المالية وتوفير الكلفة على المستهلك، وبدأ فعلاً تحضير السوق النقدية للمولود الجديد. وتوازياً أعلن مصرف لبنان عن آليّة لفرض نظام مالي جديد CASHLESS SYSTEM، لإطلاق عملة لبنانية رقمية خلال عام 2021 من ضمن آلية تنظيمية لإعادة الثقة بالمصارف وتحريك سوق النقد محلياً وخارجياً، بما يسمح بانتقال لبنان من اقتصاد نقدي إلى اقتصاد رقمي.
ومع اشتداد الأزمة المصرفية في لبنان وما تبعها من صعوبة في تحويل الأموال وسحبها، عاد الى الواجهة الحديث عن #العملات الرقمية Cryptocurrency التي هي عبارة عن عملات لا مركزية تعتمد تقنية البلوكتشين (Blockchain) وتسمح بتحويل الأموال بين طرفين دون وساطة المصارف. فأين أصبحت العملة الرقمية اللبنانية؟ هل ستطلق قريباً أم صُرف النظر عنها؟ مصادر مصرف لبنان أكدت لـ”النهار” أنه “أجريت دراسات عدّة في هذا الإطار، ولكن ما جرى ويجري جعل الأولويات مختلفة”. وأكدت المصادر عينها “أهمية العملة الرقمية اللبنانية خصوصاً أننا تحوّلنا الى اقتصاد نقدي”، علماً بأنها تختلف عن العملات الافتراضية التي لطالما حذر منها مصرف لبنان ومن استعمالها كوسيلة الدفع وخصوصاً الـBitcoin التي تشهد أسعارها تقلبات حادّة.
وأوضحت أن مصرف لبنان “يحاول عبر إعادة تشجيع البطاقات بالعملة اللبنانية والفريش دولار إعادة تحريك الدفع الإلكتروني وهو أسرع وأوفر وأفضل وأضمن من الدفع النقدي. ولكن تبقى فكرة العملة الرقمية أو E Lira موجودة، ولكن بصراحة لا شيء قريب بخصوصها نتيجة الظروف التي تمرّ بها البلاد”.
ليس خافياً أن السوق المالية للعملات الرقمية هي سوق ناشئة، ولكن يبدو أنها ستتغلب مستقبلاً على أسواق المال جميعها لأن المستقبل مرتبط بها. فالعالم بأكمله سيتحول إلى الاقتصاد الرقمي فيما أصبحت التجارة العالمية بمعظمها شبه رقمية، والعلاقات الاجتماعية مع الميتافرس Metaverse ستصبح رقمية، بل إن الكثير من المصارف المركزية الكبرى ستعتمد العملات الرقمية، ويمكن اعتمادها كوسيلة للتحويلات المالية العالمية وقد تكون بديلاً من نظام السويفت العالمي. فحجم التداول في هذا السوق في عام 2019 أقل من 200 مليار دولار، وبلغ الحد الأقصى في عام 2021 بحدود 3 تريليون دولار ثم انخفض مع الأزمة التي تعصف بأوروبا والولايات المتحدة إلى ما دون التريليون الواحد.
وفي السياق، أصدرت بعض المنصّات الرقمية بطاقات شبيهة ببطاقات المصارف الائتمانية يستطيع حاملها شراء ما يشاء من السلع في العديد من الأسواق، كما يمكن عن طريق هذه العملات التملك على الانترنت ما يُعرف بـ (Non Fungible Token) (NFT) وهي وسيلة لحفظ حقوق التملك في العالم الرقمي الميتافرس الذي يعتمد هذه العملات، مثل شراء صورة على الانترنت موقعة من أحد المشاهير أو شراء منزل رقمي على الانترنت وتأجيره أو بيعه أو إقامة حفل زفاف وغيره، وهذا ما يقوم عليه الميتافرس ومشروع الفايسبوك المستقبلي.
ولكن هل من خطورة للتعامل في هذا النوع من العملات؟ يؤكد الباحث الاقتصادي ومدير مركز إشراق للدراسات الدكتور أيمن عمر أنه “لا سند قانونياً لها يضمن حقوق مالكيها لأن المصارف المركزية لم تتبنّها حتى الآن، وفي حال إفلاس العملة لا يتمكن حاملها من الحصول على أي تعويض مثلما حصل للعملة الشهيرة لونا (Luna)، بالإضافة إلى أنها الوسيلة الفعّالة في عمليات تبييض الأموال وتهريبها، فضلاً عن أن بعض هذه العملات ليست مغطّاة من قبل أصول (Assets) مما يجعلها لا قيمة اقتصادية لها”.
وينبّه عمر إلى أن “علينا التمييز بين العملات الرقمية والعملات المشفّرة، ولكن اصطلاحاً تطلق العملات الرقمية على الاثنتين معاً. فالعملات الرقمية قد يكون مصدرها أحد المصارف المركزية أو الشركات المعروفة أو أيّ جهة معروفة، بينما العملات المشفّرة قد تصدرها أيّ جهة أو كائن وهي أداة فعّالة في تبييض الاموال أو حركة نقلها عبر الحدود دون رقيب ولا حسيب”.
في لبنان انتشر الاستثمار في العملات الرقمية (المشفرة) في فترة قياسية من خلال منصّات عدة أهمها بايننس (Binance)، فكم يبلغ عدد المتعاملين في هذه السوق؟ يؤكد عمر أنه “ليس هناك من إحصائية رسمية حول عدد المتعاملين بهذه العملات”، بيد أنه يجزم بأنهم بالآلاف وهم في تزايد مستمر، و”لكن الأزمة العالمية والخسائر التي لحقت بالسوق فرملت هذا التزايد”، ملاحظاً أن العملات الرقمية “استهوت الفئة العمرية الشابة بشكل لافت”.
ورغم كل ذلك فإن سوق العملات هو في توسّع مستمر بسبب الأزمة النقدية في لبنان وبسبب غياب الثقة بالمصارف اللبنانية، فهذه العملات وفق ما يؤكد عمر “هي أداة مهمة في تحويل الأموال من الداخل إلى الخارج وبالعكس دون المرور بالجهاز المصرفي وآلياته ودون الخضوع لرقابة السلطات الرسمية، مع إمكان تسييل هذه العملات وتحويلها إلى دولار في العديد من دول العالم ومنها لبنان عبر مكنات الـATM وغيرها”.
خلال الفترات السابقة حقق جميع المتداولين في هذه السوق في لبنان أرباحاً والبعض منهم أرباحاً كبيرة، وبما أنها سوق جديدة وناشئة ولا تخضع لقواعد قانونية، يؤكد عمر أن “من الطبيعي أن يعمل بها أيّ شخص مقتنص للفرص بطريقة النصب والاحتيال، وهذا ما ظهرت نتيجته عند اختلال السوق حيث يعجز هؤلاء عن تفادي الخسائر لأنهم لا يملكون تقنيات التحليل العلمي للسوق، فأوقعوا من تعامل معهم في خسائر فادحة أيضاً”.
ولكن كيف يمكن تحقيق الأرباح وتجنب الخسائر في هذه السوق؟ يقول عمر: “من دون أدنى شك يتطلب الأمر مهارات وخبرات مالية واقتصادية وفنية معيّنة والمعرفة بتقنيات وأساسيات في تحليل حركة السوق وتوقعاته المستقبلية صعوداً أو هبوطاً مثل مناطق الدعم، المقاومة، التباعد، تتبّع السيولة ورسم الاتجاهات (الترندات) وغيرها، وهي أمور ليس بإمكان الأشخاص العاديين غير الاختصاصيين فهمها وتحليلها، وعلى أساسها بناء التوصيات الصحيحة في عمليات شراء وبيع العملات المستهدفة في التداول”. ويضيف “إن غالبية خسائر الاستثمار في هذا السوق يسبّبها الطمع، والتسرّع، وغياب الخبرة بمعرفة الوقت المناسب للشراء والبيع. وهذا الأمر يتطلب استشارة مختصّين أصحاب خبرة ومصداقية، أو البدء باستثمار مبلغ صغير، وتقسيم رأس المال المخصّص للاستثمار ضمن عدة صفقات، جني الأرباح عند تحققها والابتعاد عن الطمع، وقف الخسائر عند حدوثها لتقليلها عند أدنى حدّ ممكن”.



