هل تلزم “العريضة” بري الدعوة لجلسة مناقشة الحرب؟ (النهار ٢٤ تموز)

مرة جديدة يطفو التباين في وجهات النظر حول الأوضاع جنوبا على سطح الخلاف بين نواب المعارضة والمكونات النيابية والسياسية الداعمة لخيار المقاومة.
وقد طالب المعارضون في عريضة، عقد الجلسة العامة في أقرب فرصة. فكيف يفسر الأمر من وجهة نظر دستورية؟
ليست المرة الأولى تقدّم عريضة نيابية بهدف دعوة المجلس إلى عقد جلسة عامة لمناقشة أمر محدد. فالعريضة التي قدمها نواب المعارضة أخيراً ليست سابقة، إذ سجّلت أكثر من حالة مشابهة في السنوات الأخيرة. لكن هل تلزم العريضة رئيس المجلس الاستجابة، أم أن الدستور والنظام الداخلي للمجلس حصرا الدعوة بالرئيس وحده؟
اختارت تلك القوى الساحة البرلمانية للنزال مع رئيس المجلس #نبيه بري والكتل النيابية والقوى السياسية المتمسكة بوقف الاعتداءات الإسرئيلية على الجنوب والحرب المستمرة على غزة للشهر العاشر.
وجهتان دستوريتان متعارضتان
في لبنان جرت العادة أن يكون تفسير الدستور وأي أمر قانوني محط تباين بين وجهتي نظر أو أكثر، كل منها تستند إلى الدستور وفق قراءتها وتفسيرها لمندرجاته، علماً أن صلاحية تفسير الدستور لا تزال ملك المجلس ولم يصر إلى منحها للمجلس الدستوري، إلا في حالات النظر في طعن بقانون معين، وعندها يعلل قراره وفق تفسيره للمادة الدستورية موضوع الطعن.
بيد أنها ليست المرة الأولى توجه عريضة بهدف دعوة المجلس إلى الانعقاد، وسبق ذلك التلويح مطلع عام 2007 بعقد جلسة بدعوة من نائب رئيس المجلس، ولكن لم يكتب لها النجاح. فماذا يقول الخبراء الدستوريون عن تلك العريضة التي تلاها النائب سليم الصايغ؟
ينطلق الخبير الدستوري والقانوني الدكتور سعيد مالك في معرض تفسيره لمفعول العريضة من أن المطالبة باتخاذ إجراءات وتدابير بقصد تطبيق #القرار 1701 الصادر عن #مجلس الأمن، لا يمكن أن يترجم إلا عبر عريضة يوقعها عشرة نواب ويزيد لمطالبة #رئيس مجلس النواب بتحديد موعد لمناقشة الحكومة في هذا الاستحقاق عملاً بنص المادة 137 من النظام الداخلي لمجلس النواب الصادر في 18 تشرين الاول 1994.
ويشرح لـ”النهار” أن “العريضة أتت ترجمة لبيان المعارضة وإنفاذاً للمادة 137 من النظام الداخلي، وعلى رئيس المجلس راهنا عرض هذه العريضة على الهيئة العامة للموافقة عليها، على أن يلي ذلك تحديد موعد للحكومة للمثول أمام مجلس النواب للمناقشة والخروج بتوصية تلزم الحكومة اتخاذ التدابير اللازمة لوضع القرار 1701 موضع التنفيذ”.
والحال أن إسرائيل لا تنفذ ذلك القرار وتواصل انتهاك السيادة اللبنانية، وقد سجلت الحكومة أكثر من 33 ألف خرق للقرار من الجانب الإسرائيلي، وهذا كله كان قبل الاعتداءات الأخيرة والمتواصلة على لبنان منذ تشرين الأول الفائت، ما يعني أن الجلسة في حال عقدها ستكون مسرحاً لمزيد من الانشقاق الداخلي اللبناني.
أما لجهة إمكان عقد جلسة دون دعوة من رئيس المجلس، فيشر مالك إلى أن الأمر لم يحصل سابقا وليس مطروحا أصلا، “فالعريضة تهدف إلى مطالبة رئيس المجلس باتخاذ المبادرة والاضطلاع بدوره، وليس المقصود تغييبه أو استبعاده أو تهميشه على الإطلاق”.
ويضيف أن ” على رئيس المجلس ممارسة دوره بصفته رئيس لمجلس النواب ومن صلاحياته دعوة الهيئة العامة إلى مناقشة عامة للحكومة كما تفرض الأصول والدستور والقانون والنظام الداخلي للمجلس”.
في المقابل، يرى أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية عصام اسماعيل أن طلب المعارضة من حيث الشكل هو مجرد اقتراح لا يمكن السير به إلا بعد موافقة المجلس عليه، إذ تنصّ المادة 137 من النظام الداخلي لمجلس النواب على تعيين جلسة لمناقشة الحكومة في سياستها العامة بطلب من الحكومة أو بطلب من عشرة نواب على الأقل وبموافقة المجلس.
ويوضح لـ”النهار” أنه تبعا لهذا النص فإن “الوصول إلى جلسة المناقشة يكون بناءً على دعوة مجلس النواب لدراسة الطلب والتحقق من جدواه، فإذا وافق المجلس على مبدأ المناقشة ننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي دعوة الحكومة لمناقشتها في موضوعه”.
ويلفت الى أن “الممر الثاني الإلزامي هو موافقة رئيس مجلس النواب على تحديد موعد للجلسة الأولى (أي جلسة الحصول على موافقة مجلس على عقد جلسة لمناقشة الحكومة)، إذ يدرك النواب أن طلبهم لا يلزم رئيس المجلس الاستجابة له، ولهذا استخدموا عبارة “تمني عقد جلسة”، باعتبار أنه ما من نصٍ في الدستور ولا في النظام الداخلي يلزم رئيس المجلس تحديد موعد لعقد جلسة لمجلس النواب”.
أما في حال نيل الطلب موافقة مجلس النواب ورئيسه، فتوجه عندها الدعوة إلى الحكومة مع نص العريضة لدراستها واتخاذ الموقف منها. وبحسب المادة 136 من النظام الداخلي فإن جلسة المناقشة العامة يجب أن تكون مسبوقة ببيان من الحكومة.
ومن حيث المضمون، في رأي اسماعيل، فإن ما تضمنته العريضة “يشكل خطراً جدياً على الأمن الوطني وله تداعيات سلبية لجهة طلبات صيغت بطريقة أمرية لا تقلّ خطورتها وتداعياتها عن قرارات اتخذت في فترة سابقة أشعلت الوضع الأمني، ولهذا لا يمكن وصف هذه العريضة إلا بالعمل الاستعراضي، الذي لا تتعدى مفاعيله حدود النص الإنشائي المكتوب، ولا يعبر عن إرادة نيابية حقيقية هي بحسب المادة 27 من الدستور تمثّل الأمة جمعاء”.
ويذكر بأن العريضة تضمنت اقتراحات لاتخاذ إجراءات يتعين على المجلس مطالبة الحكومة بتنفيذها، ومن أبرزها “وضع حد للأعمال العسكرية كافة خارج إطار الدولة اللبنانية وأجهزتها التي تنطلق من الأراضي اللبنانية ومن أي جهة كانت، واعلان حالة الطوارىء في الجنوب وتسليم الجيش زمام الأمور فيه، وتكليف الجيش اللبناني التصدي لأي اعتداء على الاراضي اللبنانية، والتحرك على الصعيد الديبلوماسي من أجل العودة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 وتطبيق القرار 1701 كاملا”.


