العلاقة بين عون وبري… لا كيمياء وأكثر (الديار ١٦ تشرين الثاني)

لطالما تخاصم سياسيون في لبنان، ولطالما لحقت بهم عبارة “خصوم الأمس حلفاء اليوم”، إلا الرئيسان ميشال عون ونبيه بري، فخصامهما مستمر، حتى إنه يُنقل عن الرئيس ميشال عون قوله إن خصمه الأول في السياسة في لبنان هو الرئيس نبيه بري، طبعاً لهذا الموقف أسباب بدأت منذ عام ١٩٨٩ عندما كان تموضعهما بجهتين مقابلتين، حيث كان الرئيس عون يعتبر بري شريكا سياسيا على الأقل بمواجهة الجيش الذي كان يعتبره عنوان الشرعية، بالمقابل كان بري يعتبر الجنرال عون من آثار سطوة اليمين المسيحي برئاسة أمين الجميل، وبالتالي كان الموقف من الجنرال بسبب هذا التموضع.
هذه المواجهة التاريخية الأولى بين الرجلين. وبما أن بري هو من أطراف اتفاق الطائف الرئيسيين الذي تضمّن تعديلا دستوريا يَعتبر المسيحيون فيه غُبن لهم بنقل الصلاحيات لمجلس الوزراء مجتمعاً التي سُلمت وقتها للرئيس رفيق الحريري، تحت عنوان إعادة الإعمار، والذي تكامل مع الرئيسين الياس الهراوي ونبيه بري بما يُعرف بالترويكا، فكان الجنرال عون يراهم رموزا للنظام السوري في لبنان.
في الفترة التي نُفيَ فيها الرئيس ميشال عون الى فرنسا، حصلت انتخابات عام ١٩٩٢ قاطعها المسيحيون مما زاد من حالة الإحباط المسيحي، فكانت مشكلة الرئيس عون مع الوجود السوري في لبنان أولوية ، ولم يكن بصدد المواجهة مع رموزه في البلد وفقاً لاعتباراته، بالإضافة الى أن بري من الرموز التي شاركت في نظام الحكم وأخذ الإمتيازات من المسيحيين.
عاد الرئيس عون عام ٢٠٠٥ وحقق تسونامي عوني في الانتخابات، ودخل كلاعب أساسي ممثلاً للمسيحيين، ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة الإصطدام بالقضايا التفصيلية من جهة الصلاحيات والتوزيع الطائفي، التي وصلت حد المبالغة أحياناً من الجانب المسيحي في استعادة بعض المواقع، على حساب التعطيل حتى في الوظائف التي لم يشملها القانون من منطلق استثمار الحضور السياسي الى أقصى حد.
في ذلك الوقت، كان من المفروض أن تكون المواجهة مع أركان النظام لاستعادة الصلاحيات، لكن عودة الرئيس عون الى البلد بظروف اغتيال الرئيس رفيق الحريري جزّأت المعركة، فالمكوّن السُني كان بحالة استنفار ودعم إقليمي ودولي، والمواجهة معه لم تكن مفيدة، والمكوّن الشيعي كان جناحان: الأول كان يتعرّض لفبركة اتهام وضغط المحكمة الدولية، والثاني الذي يعتبره الرئيس عون من أعمدة النظام أي الرئيس بري وجد أن البداية ستكون معه وفقاً للظروف المتاحة، وهذا ما استفز بري وجعله صلباً في المواجهة.
استند بري في المواجهة على تحالفه مع حزب الله، الذي منحه فرصة أن يكون زعيما رسميا من دون منازع مع القوى التمثيلية الطائفية المُحصنة بتحالفه، لكي يبقى على امتيازاته ونفوذه في الوظائف العامة، التي تُشكّل شرياناً حيوياً لجمهوره في تقديم الخدمات والوظائف، واستند أيضاً الى بقايا الترويكا التي كانت تدعم بري أيضاً بحفاظه على امتيازاته، مُواجهاً بذلك السعي العوني في إعادة هندسة الوظائف العامة والإمتيازات الطائفية.
أما الرئيس عون فاستند في المواجهة مع بري الى حجم الصفقات والمشاريع التي تدور حولها علامات استفهام، فكانت واحدة من أوراق القوة لديه.
في الحرب بينهما لم يكن هناك خيار أمام بري سوى إكمال سياسة التعطيل بالتعطيل، وبشكل أدق الطرفان عطّلا بعضهما بمكان ما.
الأمر بين الرجلين تخطى عدم وجود كيمياء بينهما الى وجود تحدّي، ولأن قدرة بري على المناورة وعقد التحالفات كانت أكبر، كان واثقاً من موقفه وقدرته على محاصرة المد العوني، سواء بتحالفات من داخل المنظومة أو من الأطراف المتضررة من الحضور العوني، حيث رجّحت الكفة لصالحه بمكان ما، فهُنا تُحسب له نقطة قوة لصالحه.
أما عن العلاقة مع حزب الله والرهان عليها، رفع التيار من مستوى التوقع من تحالفه معه، حيث كان يطلب دعمه في كل الملفات حتى من خارج ورقة التفاهم، لكن على ما يبدو أنهم وصلوا الى قناعة قالها الرئيس ميشال عون في نهاية عهده متوجهاً لبيئته أن “حزب الله وحركة أمل هما توأمان، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما من دون سقوط دم… ومن له أذنان سامعتان فليسمع”.


