بين الأزمات والأوهام (اللواء ٢١ حزيران)

هنالك بين السياسيين «والخبراء» من يسوق للرأي العام أوهاما واصفا اياها بالأزمات. هنالك أزمات حقيقية قاسية تضرب الدول والمجتمعات، لكن ليس كل ما يظهر من شوائب يعتبر أزمة. من المثال المهمة هي عجز الموازنة التي يجمع عليه المواطنون أو أكثريتهم بأنه مضر ويجب الغاؤه ومن الأفضل تحويله الى فائض. دور الموازنة هو وضع برنامج مستقبلي للايرادات والانفاق يمكن تحويلهما الى وقائع خلال مدة معينة تقليديا سنة واحدة. هنالك حاجات كبرى داخل كل دولة لا تقتصر فقط على انفاق جاري وخدمات عامة عادية بل أيضا انفاق استثماري لتطوير البنية التحتية وبالتالي رفع انتاجية الاقتصاد. من أين تأتي الأموال؟ من الايرادات الضرائبية وغيرها واذا كان الفارق لصالح الانفاق، يتحقق عجز يتراكم ليصبح دينا عاما يجب تسديده مع الفوائد خلال برنامج مستقبلي مدروس.
مصادر الدين العام مهمة جدا أي داخلي أو خارجي؟ بالنقد الوطني أو بالنقد الدولي عمليا الدولار أو اليورو؟ تؤثر هذه القرارات على الاستقرار المالي وصعوبة بل تكلفة تحقيقه. اقتراض الحكومة من الداخل يضعف فرص الاقتراض من قبل الأسر والشركات، ويساهم في رفع الفوائد بسبب زيادة الطلب. مشكلة الاقتراض بالنقد الأجنبي تكمن في أن ايرادات الدولة هي بالنقد الوطني وبالتالي تقع على المصرف المركزي مهمة حماية سعر الصرف. من أهم السياسات المطلوبة من المصارف المركزية هي وضع سياسة سعر صرف واقعية، من الأفضل أن تكون بين الجامد والمتحرك بحيث لا تحدث خضات نقدية مفاجئة تضرب الاستقرار الاقتصادي الداخلي.
عندما يحصل عجز مالي هدفه بناء المستقبل، لا يمكن وصفه بالهدر لأن تطوير الاقتصاد سيساهم في تحقيق ايرادات مستقبلية عالية وبالتالي تحقيق فائض مالي يغطي الدين العام. هنا لا بد من التمييز بين العجز المالي الأسري مثلا والعجز المالي العام. تغطية الأول أصعب بكثير لكن تغطية الثاني أسهل وإن كانت الطرق مضرة في بعض الأحيان كالتمويل النقدي للعجز المالي. استعمال السلطة النقدية أي المصرف المركزي لزيادة الكتلة النقدية لتغطية عجز الموازنة يحدث تضخما وبالتالي لا يمكن الاستمرار به. التمويل النقدي اذا حصل يجب أن يكون مؤقتا ويجب على الحكومة أن تضع برنامجا واضحا لتسديد الاقتراض الاستثنائي أيا كانت مصادره أي من المصرف المركزي أو من جهات أخرى. في كل حال، أي اقتراض حالي يجب أن يسدد مستقبلا من أجيالنا أو من أجيال المستقبل وبالتالي الحكومات المسؤولة تنظر بعناية الى حجم الدين وقدرة الاقتصاد على استيعابه وبالتالي خدمته.
تحقيق عجز في الموازنة ليس بالضروري سيئا اذا هدف التمويل الى بناء الاقتصاد ودعم النمو وسد حاجات المجتمع الاجتماعية. يكون العجز عندها استثمارا في المستقبل كأي استثمار آخر يعطي ايرادات مستقبلية كبيرة، ايرادات مالية واجتماعية وأمنية وسياسية. هذا لا يعني أن تقوم الحكومات بوضع موازنات عاجزة مبنية على أمل تحقيق ايرادات مستقبلية يمكن أن لا تحصل. تقنية التوقعات ليست سهلة التطبيق ويجب أن ترتكز على أرقام موضوعية يدافع عنها ضمن الوقائع الحالية والمتوقعة. تنبؤ المستقبل صعب ومن أسواء السياسات هو القول أن المستقبل سيكون امتدادا للماضي، وهذا عموما خاطئ خاصة في ظروفنا الحالية المتقلبة.
تحقيق عجز مالي يجب أن يكون في كل حال مؤقتا ويقابله تحقيق فائض مستقبلي يلغي العجز بل يؤمن ايرادات ايضافية لتمويل كافة حاجات المجتمع. في ظروف أزمات وبالرغم من صعوبة تحصيل ايرادات كبيرة كافية، من المقبول تحقيق عجز مؤقت ضمن برنامج مدروس لا يضر بالمستقبل المالي للدولة. أسوأ القرارات التي تتخذها بعض الحكومات هو رفض تسديد الديون دون موافقة المقرضين، وهذا يعتبر في غاية الغباء والجهل المالي. يمكن اعتبار العجز المالي مشكلة عندما لا يستعمل لغايات استثمارية واضحة تبني البلد لمصلحة المستقبل. لذا توضيح القرارات المالية للمواطنين أي الشفافية لغاية المحاسبة فيما بعد، هو دائما في غاية الأهمية. 48% من الأميركيين مثلا يعتقد أن مشكلة العجز المالي يجب أن تكون من أولويات الحكم المقبل دون النظر الى مصادر العجز وكيفية استعماله. هذا ينبع من الضغط الاعلامي والسياسي الهائل الممول من أصحاب المصالح المستفيدين من براءة المواطنين وأوضاعهم.
ما هي أسباب العجز المالي المدروس والمؤقت والذي لا يدعو للقلق أي من قبل المواطنين والشركات والمجتمع الدولي؟ الانفاق على الفقر والبؤس هو ضروري في أوقات تزداد خلالها نسب الفقراء في كل الدول وليس في النامية فقط. في الولايات المتحدة، 21% من الأميركيين يعتبرون فقراء وهذا غير مقبول في أغنى دولة. الانفاق على تحديث البنية التحتية السيئة هو مهم وضروري وهو انفاق على المستقبل لمصلحة الأجيال القادمة. أما الانفاق لتخفيف فجوتي الثروة والدخل عبر ضرائب ودعم، فلا يحتج عليه أحد اذا بقي ضمن حدود المنطق واحترام كل الطبقات الشعبية حتى الأغنياء. من الانفاق الجيد تمويل التجدد ومساعدة الشركات الناشئة والصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المستقبلي المبني على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. من التمويل العام المطلوب اعطاء قروض تعليمية للشابات والشباب كي ينهضوا بمستقبل الأوطان. هنالك أمثلة عديدة مشابهة تهدف الى بناء مجتمعات خضراء نظيفة غير ملوثة لمصلحة صحة الانسان. الانفاق الذي يدعو للقلق والرفض هو الهادف فقط لمساعدة الطبقات الميسورة والشركات الكبرى والذي يأتي من جيوب الطبقات الوسطى والفقيرة.
زيادة العجز حتى لأسباب فاضلة تأخذ من فرص الاقتراض من جانب القطاع الخاص، وهذا مضر عموما للنمو. من ناحية أخرى، اذا كانت أسباب العجز العام تمويل البنيتين التحتية والفوقية، يمكن أن يساعد ذلك المجتمع على بناء نفسه وتحقيق ازدهار مستقبلي مطلوب. حسن ادارة الدولة يبقى واجبا تقنيا وماليا.



