المالكون والمستأجرون وقرارات لجان الإيجارات … 50 مليار ليرة في موازنة 2021 لصندوق المساعدات
إشكاليّات تضاف إليها أزمة سعر صرف الدولار مقابل الليرة

جاء في ” النهار”:
عودٌ على بدء في قضيّة الإيجارات. هذه المسألة الاجتماعيّة مرشّحة دائمًا إلى الواجهة عندما تهبّ العواصف المعيشية والاقتصادية في لبنان حيث الدولة تتبرّأ من مسؤولياتها لترميها على كاهل المواطنين. حال المالكين ليست أفضل من المستأجرين في هذه الظروف الصعبة. وحال المستأجرين تزداد تأزّمًا في ظلّ الأزمات المتلاحقة. والطرفان يدفعان ثمن فاتورة غياب الدولة عن مقاربة ملفّاتها والاستعداد لها. ولا يخفى على أحد أنّ دولة بحجم لبنان، وبوجود سلطة راكمت الملفّات ولم تجد أيّ حلّ لها منذ سنوات، لن تستطيع الاهتمام بشؤون المواطنين والصمود أمام جائحة اهتزّت أمامها عروش الحكومات في دول كبرى، فكيف بلبنان؟!
في جديد الملفّ، أنّ آلاف الملفّات المتراكمة أصبحت أمام لجان الإيجارات للنّظر فيها وبتّها، للفصل بين المستفيدين من صندوق دعم الدولة من غير المستفيدين. وكالعادة يقوم المواطن بواجباته، كما قام المستأجرون بتقديم طلبات للاستفادة من الصندوق، لتقف هذه الملفات في اللجان، من دون بتّها، بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على بدء استقبال هذه الطلبات. والغريب أنّ أحدًا لم يعد يجيب عن هذا التأخير، لا مجلس القضاء الأعلى ولا وزارة العدل ولا أيّة مرجعيّة، على رغم النداءات والبيانات والمواقف التي تصدر عن جهات معنيّة بالموضوع، وذلك باعتبار الأمر عاديًّا، ويتبع للروتين الإداري المعتاد في لبنان. فهل من عاقل يتوقّع أصلاً أن تصدر قرارات اللجان في موعدها؟ مع العلم أنّ القانون يلزم اللجان القضائيّة بمهلة شهرين لبتّ الملفّات، لكنّها تحوّلت إلى مهلة مفتوحة، بحجّة الظروف الحالية. والغريب في الأمر، أنّ المستأجرين تقدّموا بالطلبات في ظل موجة كورونا، ولم يستخدموا الأمر حجّة، ليأتي الأمر من جهة القضاء، الذي يضع هذه الملفات في حكم المؤجّل.
وعلى صعيد الصندوق والأموال، لوحظ إدراج بند ضمن الموازنة التي أعدّها مجلس الوزراء عن هذا الموضوع، بمبلغ 50 مليار ليرة لبنانية تضاف إلى المبالغ السابقة في الصندوق. لكن كيف ستصرف الأموال طالما أنّ اللجان القضائيّة لم تقدم على البتّ بالملفّات؟! فهل سيدفع الصندوق عن مستأجرين لا يستفيدون من تقديماته؟ وكيف نفصل بين المستفيد وغير المستفيد؟ السؤال في عهدة مجلس القضاء الأعلى، الجهة الموكول اليها إعطاء التوجيهات للبتّ بالطلبات. وفي معلومات لـ”النهار” انّ طلبًا واحدًا تقدّم به أحد المستأجرين في قصر العدل في بعلبك، فلماذا التأخير في البتّ بطلب واحد؟ لا جواب. فيما العدد الأكبر والذي تخطّى العشرة آلاف يتوزّع بين بيروت وجبل لبنان. إذًا، المالكون ينتظرون كما المستأجرون، ليبنى على الشيء مقتضاه طالما أنّ المهل سارية وفق القانون الجديد والمعدّل.
هذه الإشكاليّات تضاف إليها أزمة سعر صرف الدولار مقابل الليرة. فلبنان الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد أكثر من سعر للصرف، وهذه الناحية تطاول الإيجارات، التي نظّمت عقودها بالليرة أو بالدولار، فالفئة الأولى أصبحت قيمتها لا تتخطّى الـ 15% من بدل المثل المتّفق عليه بين المالكين والمستأجرين، مع العلم أنّ مداخيل المستأجرين لم ترتفع بعد الأزمة، في حين أنّ الدولة لا تتدخّل في هذه المسألة، وتنأى بنفسها عن دعم الطرفين، لتزيد معها مأساتهما، الأوّل هو المالك الذي يخسر من إيراداته، والثاني هو المستأجر غير القادر على تأمين مستلزماته ولا يتحمّل أيّة زيادة على بدلات الإيجار لتصحيح الخلل. أما الإيجارات التي نظّمت عقودها بالدولار فالإشكاليّة فيها أعمق وأكثر خطورة، إذْ قلّة قليلة جدا من المستأجرين قادرة على الدفع، والأكثرية لن تستطيع تسديد البدلات بالدولار، فعلى أيّ سعر تحتسب عمليّة الصرف؟ الأحكام القضائية التي تصدر ويمكن القياس عليها، تعتمد سعر منصّة مصرف لبنان، أي 3900 ليرة، لأنّها تعتبر أنّ السعر “الرسمي” السابق أصبح معتمدًا فقط بالتعامل مع المصارف، لا بين الأفراد، فيما السعر في السوق الموازية وصل إلى عتبة 9000 ليرة من دون أيّ أفق باحتمال التراجع على نحو كبير في ظلّ الأزمة السياسية الراهنة والمتفاقمة. لذلك ستبقى المعادلة قائمة: المؤجّر يرغب في تحصين حقوقه والوصول إلى البدل الرائج، والمستأجر غير قادر على زيادة البدلات من دون زيادة على الرواتب. ومكانك راوح!
وفي معضلة الإيجارات القديمة غير السكنية، تبقى الأزمة في لجنة الإدارة والعدل التي لا تجتمع إلا لمقتضيات الضرورة، وربما لا تعتبر هذا الأمر من الضرورة في الوقت الحاضر، لتبقى المعضلة التي تطاول أكثر من 25 ألف قسم مؤجّر وفق القانون القديم الذي لم يعد ملائمًا للمتغيّرات الكثيرة الطارئة، ولا سيّما بعد 40 سنة من تقاعس الدولة عن إيجاد حلّ لهذا الأمر، لتتراكم الأزمات، وتزداد الهوّة عمقًا بين المؤجّرين والمستأجرين في هذه الأقسام. وتستمرّ نقابة المالكين بالمطالبة بتحرير الإيجارات القديمة التي تعتبرها بحكم المصادرة، فيما لجان المستأجرين ترى أنّ الظروف غير ملائمة لمثل هذه الخطوة. وكان أكثر من نائب قد تقدّموا باقتراحات قوانين لتحرير الإيجارات غير السكنية القديمة التي لا يزال الفرق شاسعًا جدا فيها بين ما يدفعه المستأجر القديم والبدلات الرائجة أو بدل المثل.
إذًا، لا أجوبة عن تساؤلات المواطنين في إشكاليات الإيجارات الجديدة والقديمة، والأمر متروك لأصحاب الشأن، للبتّ بالخلافات بعيدًا من القضاء غير القادر على البتّ بالسرعة المطلوبة بالملفّات في ظلّ الأزمات السياسية والمعيشية والاقتصادية غير المسبوقة التي يشهدها لبنان، بانتظار مبادرات قد تحملها الايام المقبلة لترأف باللبنانيين في زمن انتشار الوباء القاتل.


