أسباب التقلبات السريعة لسعر الدولار وتداعياتها على المواطن والمؤسسات التجارية
نشهد في الآونة الأخيرة تقلبات سريعة بسعر الدولار. تقلبات دفعت العديد من المؤسسات التجارية الى إقفال أبوابها بغية تغيير الأسعار والاستفادة من فرق سعر الدولار. فما سبب هذه التقلبات؟ وهل ما طرحه حاكم مصرف لبنان مؤخراً من تعميم مجدياً وفعالاً أم أنه حل وقتي لتمرير غايات سياسية؟ وهل ستستمر الأزمة فترة طويلة؟ وما قدرة المواطن على تحمل تداعياتها؟ وما سبب غلاء المحروقات؟ وما هو المجلس الأعلى للأسعار؟ وهل من الممكن بواسطته مواجهة الأزمة الحالية؟
حبيقة والإسراع بتشكيل الحكومة
“الأفكار” التقت الخبير المالي والاقتصادي الدكتور لويس حبيقة الذي افادنا بأن الأزمة ستستمر أشهراً عديدة على اعتبار أن تشكيل حكومة جديدة تعكس التغيرات التي حصلت في الانتخابات النيابية الأخيرة قد يتعرض لصدامات سياسية عديدة، وإذا لم تشكل حكومة خلال فترة قريبة تتصدى للأزمات (المالية – الاقتصادية – الإنتاجية …) فقد يتعذر تشكيل حكومة الى ما بعد انتخابات رئاسة الجمهورية.
*البعض يعتبر أن لبنان سيمر بأزمة خانقة جداً ستتوضح ملامحها خلال الاشهر المقبلة؟ فما صحة ذلك؟
– نحن اليوم نمر بوضع انتقالي غير واضح، ومن خلطة الى خلطة، ويبدو جلياً أن هذه الخلطات ليست معروفة ولا في أي اتجاه ذاهبة، فالمسألة تتطلب وقتاً، ولكن من جهة ثانية فإن انجاز الانتخابات خطوة ايجابية يجب الاستفادة منها في الاطار السليم، فالأمور برأيي تتطلب وقتاً لتتوضح الصورة. واليوم أمامنا أربعة او خمسة اشهر فاذا تجاوزناها بأقل الخسائر الممكنة فذلك يكون خطوة ايجابية، لذلك الناس مرتاحة لكنها قلقة ولا تعرف ما تخبئه الأقدار، لا سيما أن هناك تزايد الطلب على الدولار، والدولار في تناقص مستمر.
*- كيف تصنف موضوع غلاء المحروقات لاسيما وأن سعر صفيحة البنزين قارب الـ 600 الف؟
-في موضوع غلاء المحروقات، لا بد من التأكيد وبصورة حتمية بأن الغلاء عالمي بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا، على اعتبار أن سعر برميل النفط وصل الى 114 دولاراً أميركياً، واذا استمر بالارتفاع فقد يصل سعر صفيحة البنزين الى أكثر بكثير من 600 الف ليرة. لذا ولأجل كل ذلك من الضروري الدعوة وبسرعة إلى تشكيل حكومة جديدة والشروع بترتيب البيت السياسي اللبناني، وفي السياق ذاته لا يمكننا أن نخفي قلقنا من تصريحات بعص النواب الجدد وندعوهم للانتباه وعدم إخافة الناس.
وتابع حبيقة قائلاً:
– المشهد اذاً مع كل ما يحتويه من مخاطر متعددة وعلى مختلف الصعد، قد يأخذ البلد نحو ما هو أسوأ بحال تلهّى الفرقاء بالمناكفات ولم يتفرّغوا لتشكيل حكومة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، وهذا ما يجب التصدي له دون أي إبطاء.
وما الحل الأنسب؟
– كما يبدو حتى الآن بأن لا حل للأزمة الاقتصادية في البلاد من دون تغيير الوضع السياسي الداخلي، وإلا سيبقى لا بل سيستمر سعر صرف الدولار يحلق من دون سقف. كما أنه وفي السياق ذاته لا يمكن لأي دولة أخرى مساعدتنا، فالتغيير يبدأ حكماً من الداخل لأن كل الدول لديها مشاكلها وأزماتها الخاصة. ولا يمكننا إلا وأن نؤكد بأن العرض الكبير للدولار في فترة الانتخابات كان ناتجاً عن المهرجانات والاحتفالات، فضلاً عن الأموال المدفوعة في خلال هذه الفترة.
تعميم مصرف لبنان وعلاقته بانخفاض الدولار
*- البعض يدعو الى ضرورة “دولرة” بعض السلع من أجل إيجاد حل للازمة، فما تفسيرك لذلك؟
لا يمكن “دولرة” الإنفاق من دون “دولرة الدخل”، وهذا يتطلب وقتاً لتنفيذه وإلا سيؤدي إلى إقفال الكثير من الشركات في البلاد.
*- وماذا عن تعميم مصرف لبنان الأخير وهل له علاقة بانخفاض الدولار؟ وهل سيستمر هذا الانخفاض؟
– إنّ تعميم مصرف لبنان الأخير الذي يسمح للمواطنين ببيع وشراء الدولار عبر منصة صيرفة، ليس إلا إجراء موضعياً وسط أزمة كبيرة ومتفاقمة. ولا بد من التأكيد أنّ تداعيات هذا القرار ستؤثر على نحو محدود ولفترة قصيرة جداً. وبالتالي فإن السوق ستستوعب هذا القرار لفترة محددة فقط، فالمطلوب هو تفعيل الإصلاحات والمضي بإصلاح القطاع النقدي والمالي، لأن القرارات الموضعية لا تخدم لوقتٍ طويل.
*-وماذا عن الهبوط الكبير للدولار عقب صدور التعميم؟ ألا يعطي نوعاً من التفاؤل؟
– إنه هبوطٌ مُصطنع، ولم يتبدل أي شيء اقتصادي، علماً أن ارتفاع الدولار أيضاً بهذا الشكل يرتبطُ بعوامل مصطنعة. ولكن على أية حال، الأمر مرهونٌ بإصلاحات ومعالجة جذرية وليست مرحلية.
برو وأرنب السلطة!
وللاطلاع على عمل المجلس الأعلى للأسعار التقت “الأفكار” الدكتور زهير برو الذي افادنا قائلاً:
– قررت السلطة لمعالجة الأزمة للأسف إخراج ما يشبه أرنباً قديماً جاهزاً منذ العام 1974، من قبعتها للضحك على الناس. تقول إنها شكلت مجلساً للأسعار، ونحن بدورنا نتساءل ماذا سيفعل؟ هل سيراقب التجار؟ وفي حال التأكيد على المراقبة، فأي تجار؟ وبالتالي هل سيفتح منصة جديدة للدولار ام سيخترع سعراً جديداً للدولار الجمركي؟ أم انه سيثبت الأسعار؟ او ربما ستستورد الدولة السلع الأساسية مثلاً؟
وتابع برو قائلاً:
– هل تعرف السلطة، بحكامها ورؤسائها ووزرائها ونوابها، أن الاسعار في الاقتصاد الحر هي مرآة للواقع الاقتصادي من الإنتاج إلى الاستيراد والتصدير والمنافسة والاحتكارات والفساد والضرائب، وأنها لا تعتمد لا على الأرانب ولا على المنصات او الهندسات المالية ولا على رقابة المجالس؟ وهل قرأ عظماء السلطة قانون حماية المستهلك؟
*- وماذا يتضمن قانون حماية المستهلك والى ماذا تلمح بقولك ذلك؟
– هذا القانون أوجد في المادة 60 منه، مؤسسة لنقاش كل هذه الأمور. إنه المجلس الوطني لحماية المستهلك عام 2005، والمشكل قانوناً عام 2006. لكن وزراء الاقتصاد المتعاقبين أقفلوا بابه لإسكات ممثلي المستهلك الشرعيين، ولكي يستمعوا فقط إلى ترانيم التجار والاحتكارات.
*- موقفكم ضد هذا المجلس، فعلى ماذا استندتم؟
– العودة إلى أرنب 1974 يلخص بؤس المؤسسات والسلطة وتغييب القوانين الحديثة والدستور. لو كان القضاء موجوداً لطعنت الجمعية في هذه الخزعبلات التي همها الوحيد نشر الضباب الكثيف لإخفاء حقيقة زوال الدولة والمؤسسات وسيادة حزب المصارف (من احزاب طوائف ومصارف ومحتكرين). ولو كان القضاء موجوداً لكان هؤلاء جميعاً نزلاء السجون لا حكاماً يعاد تدويرهم كل أربع سنوات.



